أي من غاية الجبن عند ذهابهم كانوا يخافونهم وعند مجيئهم كانوا يودون لو كانوا في البوادي ولا يكونون بين المقاتلين مع أنهم عند حضورهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كما قال تعالى: { وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلًا } .لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين وهو أنهم قالوا هذا ما وعدنا الله من الابتلاء ثم قالوا: { وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ } في مقابلة قولهم: { مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا } [ الأحزاب: 12 ] وقولهم: { وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ } ليس إشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هي إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا: { هذا مَا وَعَدَنَا الله } وقد وقع وصدق الله في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس وقوله: { مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ إيمانا } بوقوعه وتسليمًا عند وجوده .
إشارة إلى وفائهم بعهدهم الذي عاهدوا الله أنهم لا يفارقون نبيه إلا بالموت فمنهم من قضى نحبه أي قاتل حتى قتل فوفى بنذره والنحب النذر ، ومنهم من هو بعد في القتال ينتظر الشهادة وفاء بالعهد وما بدلوا تبديلًا بخلاف المنافقين فإنهم قالوا لا نولي الأدبار فبدلوا قولهم وولوا أدبارهم وقوله: { لّيَجْزِىَ الله الصادقين بِصِدْقِهِمْ } أي بصدق ما وعدهم في الدنيا والآخرة كما صدقوا مواعيدهم ويعذب المنافقين الذين كذبوا واخلفوا وقوله: { إِن شَاء } ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد ، وإنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل يأس النبي عليه الصلاة والسلام عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس منهم وقوله: { وَكَانَ الله غَفُورًا } حيث ستر ذنوبهم و { رَّحِيمًا } حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده أو نقول: { وَيُعَذّبَ المنافقين } مع أنه كان غفورًا رحيمًا لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم