فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 1236

وفي التفسير الوسيط (1) :

والمعنى: يا من آمنتم بالله حق الإِيمان ، { اذكروا } على سبيل الشكر والاعتبار { نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } ورحمته بكم .

{ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ } كثيرة ، هى جنود جيوش الأحزاب { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا } شديدة زلزلتهم ، وجعلتهم يرحلون عنكم بخوف وفزع .

كما أرسلنا عليهم { وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا } وهم الملائكة ، الذين ألقوا الرعب في قلوب أعدائكم .

قالوا: روى أن الله - تعالى - بعث عليهم ريحا باردة في ليلة باردة ، فألقت التراب في وجوههم ، وأمر الملائكة فقلعت أوتاد خيامهم ، وأطفأت نيرانهم وقذفت في قلوبهم الرعب . . فقال كل سيد قوم لقومه: يا بنى فلان: النجاء النجاء .

وقوله - سبحانه -: { وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا } تذييل قصد به بيان مظهر آخر من مظاهر فضله - تعالى - عليهم .

أى: جاءتكم تلك الجنود الكثيرة . فأرسلنا عليهم ريحا شديدة ، وأرسنلا عليهم من عندنا جنودا لم تروها ، وكنا فوق كل ذلك مطلعين على أعمالكم من حفر الخندق وغيره وسامعين لدعائكم ، وقد أجبناه لكم ، حيث رددنا أعداءكم عنكم دون أن ينالوا خيرا .

ثم فصل - سبحانه - ما حدث للمؤمنين في هذه الغزوة ، بعد هذا الإِجمال ، فقال: { إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ } أى: من أعلى الوادى من جهة المشرق .

والجملة بدل من قوله { إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ } . والمراد بالذين جاءوا من تلك الجهة: قبائل غطفان وهوزان . . وانضم إليهم بنو قريظة بعد أن نقضوا عهودهم .

{ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ } أى: ومن أسفل الوادى من جهة المغرب ، وهم قريش ومعهم أحابيشهم وحلفاؤهم .

وقوله: { وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار } معطوف على ما قبله ، داخل معه في حيز التذكير .

أى: واذكروا وقت أن زاغت أبصاركم ، ومالت عن كل شئ حولها ، وصارت لا تنظر إلا إلى أولئك الأعداء . يقال زاغ البصر يزيغ زيغا وزيغانا إذا مال وانحرف . ويقال - أيضا: زاغ البصر ، إذا مل وتعب بسبب استدامة شخوصه من شدة الهول .

وقوله { وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر } بيان آخر لما أصاب المسلمين من بلاء بسبب إحاطة جيوش الأحزاب بهم .

والحناجر: جمع حنجرة ، وهى جوف الحلقوم ، والمراد أن قلوبكم فزعت فزعا شديدا ، حتى لكأنها قد انتقلت من أماكنها إلى أعلى ، حتى قاربت أن تخرج من أفواهكم .

فالآية تصور ما أصاب المسلمين من فزع وكرب في غزوة الأحزاب ، وتصيرا بديعا مؤثرا ، يرسم حركات القلوب ، وملامح الوجوه ، وخلجات النفوس .

وقوله - سبحانه - { وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا } بيان لما دار في عقولهم من أفكار ، حين رأوا الأحزاب وقد أحاطوا بالمدينة .

والظنون جمع الظن . وهو مصدر يطلق على القليل والكثير منه . وجاء بصيغة الجمع لتعدد أنواعه ، واختلافه باختلاف قوة الإِيمان وضعفه .

أى: وتظنون - أيها المؤمنون - بالله - تعالى - الظنون المختلفة ، فمنكم من ازداد يقينا على يقينه ، وازداد ثقة بوعد الله - تعالى - وبنصره ، ومنكم من كان أقل من ذلك في ثباته ويقينه ، ومنكم من كان يظهر أمامكم الإِيمان والاسلام ، ويخفى الكفر والعصيان ، وهم المنافقون وهؤلاء ظنوا الظنون السيئة ، بأن اعتقدوا بأن الدائرة ستدور عليكم .

قال ابن كثير: قوله { وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا } قال الحسن: ظنون مختلفة ، ظن المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون ، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق ، وأنه - سبحانه - سيظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون .

"عن أبى سعيد قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله ، هل من شئ نقول ، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم: قولوا: اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا".

قال: فضرب الله - تعالى - وجوه أعدائه بالريح فهزمهم .

ولفظ { هُنَالِكَ } فى قوله - تعالى -: { هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون } : ظرف مكان للبعيد ، وهو منصوب بقوله { ابتلي } والابتلاء: الاختبار والامتحان بالشدائد والمصائب .

أى: في ذلك المكان الذى أحاط به الأحزاب من كل جانب ، امتحن الله - تعالى - المؤمنين واختبرهم ، ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه .

{ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا } أى: واضطربوا شديدا ، من شدة الفزع ، لأن الأعداء حاصروهم ، ولأن بنى قوى الإِيمان من ضعيفه .

{ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا } اى: واضطربوا اضطرابا شديدا ، من شدة الفزع ، لأن الأعداء حاصروهم ، ولأن بنى قريظة نقضوا عهودهم .

ولقد بلغ انشغال المسلمين بعدوهم انشغالا عظيما ، حتى أنهم لم يستطيعوا أن يؤدوا بعض الصلوات في أوقاتها ،"وقال بعض الصحابة: يا رسول الله ، ما صلينا ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم:"ولا أنا ، والله ما صليت ثم قال: شغلنا المشركون عن الصلاة الوسطى ، صلاة العصر ، ملأ الله أجوافهم وقلوبهم نارا""

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 3400)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت