فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 1236

.وخرجت طليعتان للمسلمين ليلا ، فالتقتا - دون أن تعرف إحداهما الأخرة - فتقاتلا . وحديث بينهم ما حدث من جراح وقتل ، ولم يشعروا أنهم من المسلمين ، حتى تنادوا بشعار الإِسلام:"حم . لا ينصرون". فكف بعضهم عن بعض .

فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم:"جراحكم في سبيل الله ومن قتل منكم فإنه شهيد""."

ومما زاد في بلاء المسلمين وحزنهم . ما ظهر من أقوال قبيحة من المنافقين . حكاها - سبحانه - في قوله: { وَإِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا } أى: واذكروا - أيضا - أيها المؤمنون - وقت أن كشف المنافقون وأشباههم عن نفوسهم الخبيثة وطباعهم الذميمة ، وقلوبهم المريضة ، فقالوا لكم وأنتم في أشد ساعات الحرج والضيق: { مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ } بالنصر والظفر { إِلاَّ غُرُورًا } أى: إلا وعدا باطلا ، لا يطابق الواقع الذى نعيش فيه .

وقال أحدهم: إن محمدا كان يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يستطيع أن يذهب إلى الغائط .

{ وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ ياأهل يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فارجعوا . . . } .

أى: واذكروا - كذلك - أيها المؤمنون - وقت أن قالت لكم طائفة من هؤلاء المنافقين: { ياأهل يَثْرِبَ } أى: يا أهل المدينة ، لا مقام لكم في هذا المكان الذى تقيمون فيه بجوار الخندق لحماية بيوتكم ومدينتكم ، فارجعوا إلى مساكنكم ، واستسلموا لأعدائكم .

قال الشوكانى: وذلك أن المسلمين خرجوا في غزوة الخندق ، فجعلوا ظهورهم إلى جبل سلع ، وجعلوا وجوههم إلى العدو ، وجعلوا الخندق بينهم وبين القوم . فقال هؤلاء المنافقون: ليس ها هنا موضع إقامة وأمروا الناس بالرجوع إلى منازلهم بالمدينة .

ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين لم يكتفوا بهذا القول الذميم ، بل كانوا يهربون من الوقوف إلى جانب المؤمنين ، فقال - تعالى -: { وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا } .

أى: أنهم كانوا يحرضون غيرهم على ترك مكانه في الجهاد ، ولا يكتفون بذلك ، بل كان كل فريق منهم يذهب إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فيستأذنه في الرجوع إلى بيوتهم ، قائلين له: يا رسول الله: { إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ } أى: خالية ممن يحرسها .

يقال: دار ذات عورة إذا سهل دخولها لقلة حصانتها .

وهنا يكشف القرآن عن حقيقتهم ويكذبهم في دعواهم فيقول { وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ } أى: والحال أن بيوتهم كما يزعمون ، وإنما الحق أنهم يريدون الفرار من ميدان القتال ، لضعف إيمانهم ، وجب نفوسهم .

روى"أن بنى حارثة بعثوا أحدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول له: إن بيوتنا عورة ، وليست دار من دور الأنصار مثل دورنا ، وليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا ، فأذن لنا كى نرجع إلى دورنا ، فمنع ذرارينا ونساءنا . فأذن لهم صلى الله عليه وسلم ."

فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال: يا رسول الله ، لا تأذن لهم ، إنا والله ما أصابنا وإياهم شدة إلا فعلوا ذلك . . فردهم"."

ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين جمعوا لأنفسهم كل نقيض ، فهم يسرعون إلى ما يؤذى المؤمنين ، ويبطئون عما ينفعهم ، فقال - تعالى -: { وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الفتنة لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيرًا } .

والضمير في قوله - تعالى - { دُخِلَتْ } للبيوت أو للمدينة . وفاعل الدخول من يدخل هذه البيوت أو المدينة من أهل الكفر والفاسد . وأسند - سبحانه - الدخول إلى بيوتهم ، للإِشعار بأن الأعداء يدخلونها وهم قابعون فيها .

والأقطار: جمع قطر بمعنى الناحية والجانب والجهة .

والمراد بالفتنة هنا ، الردة عن الإِسلام أو قتال الملسمين .

وقوله { لآتَوْهَا } قرأه الجمهور بالمد بمعنى لأعطوها . وقرأه نافع وابن كثير { لآتَوْهَا } بالقصر ، بمعنى لجاءوها وفعلوها والتلبث: الإِبطاء والتأخر .

والمعنى إن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أن بيوتهم عورة ، هم كاذبون في زعمهم ، وهم أصحاب نيات خبيثة ، ونفوس عارية عن كل خير .

والدليل على ذلك ، أن بيوتهم هذه التى يزعمون أنها عورة ، لو اقتحمها عليهم مقتحم من المشركين وهم قابعون فيها ، ثم طلب منهم أن ينضم إليهم في مقاتلة المسلمين ، لسارعوا إلى تلبية طلبه ، ولكانوا مطيعين له كل الطاعة ، وما تأخروا عن تلبية طلبه إلا لمدة قليلة ، يعدون العدة خلالها لقتالكم - أيها المسلمون - وللانسلاخ عن كل رابطة تربطكم بهم . لأن عقيدتهم واهنة ، ونفوسهم مريضة خائرة .

قال صاحب الكشاف: قوله: { وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ } أى: المدينة . وقيل: بيوتهم . من قولك: دخلت على فلان داره { مِّنْ أَقْطَارِهَا } أى . من جوانبها . يريد: ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة - التى يفرون منها - مدينتهم من نواحيها كلها وانثالت على أهاليهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت