فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 1236

وألادهم ناهبين سابين ، ثم سئلوا عند ذلك الفزع وتلك الرجفة ، { الفتنة } أى: الردة والرجعة إلى الكفر ، ومقاتلة المسلمين ، لأتوها ، أى: لجاءوها ولفعلوها . وقرئ . لأتوها أى لأعطوها { وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيرًا } ريثما يكون السؤال والجواب من غير توقف . أو ما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا يسيرا ، فإن الله يهلهكم .

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، أن من الصفات اللازمة للمنافقين ، نقضهم لعهودهم فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأدبار وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولًا } .

أى: ولقد كان هؤلاء المنافقون قد حلقوا من قبل غزوة الأحزاب ، أنهم سيكونون معكم في الدفاع عن الحق وعن المدينة المنورة التى يساكنونكم فيها ، ولكنهم لم يفوا بعهودهم .

{ وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولًا } أى: مسئولا عنه صاحبه الذى عاهد الله - تعالى - على الوفاء ، وسيجازى - سبحانه - كل ناقض لعهده ، بما يستحقه من عقاب .

ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن هؤلاء المنافقين ، فوبختهم على سوء فهمهم ، وعلى جبنهم وخورهم ، وعلى سلاطة ألسنتهم . . فقال - تعالى -: { قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار . . . . مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلًا } .

أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنافقين: { لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت أَوِ القتل } ، لأن كل إنسان لا بد له من نهاية تنتهى عندها حياته ، سواء أكانت تلك النهاية عن طريق القتل بالسيف ، أم عن طريق الموت على الفراش .

وما دام الأمر كذلك ، فعلى هؤلاء المنافقين أن يعلموا: أن الجبن لا يؤخر الحياة ، وأن الشجاعة لا تقدمها عن موعدها . وصدق الله إذ يقول: { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } وقوله: { إِن فَرَرْتُمْ . . . } جوابه محذوف لدلالة ما سبق عليه . أى: إن فررتم لن ينفعكم فراركم .

وقوله: { وَإِذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا } تذييل قصد به زجرهم عن الجبن الذى استولى عليهم .

أى: إن فراركم من الموت أو القتل ، إن نفعكم - على سبيل الفرض - لفترة من الوقت ، فلن ينفعكم طويلا ، لأنكم لن تتمتعوا بالحياة بعد هذا الفرار إلا وقتا قليلا ، ثم ينزل بكم قضاء الله - تعالى - الذى لا مرد لكم منه ، فما تفرون منه هو نازل بكم قطعا .

ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقرعهم بحجة أخرى لا يستطيعون الرد عليها ، فقال: { قُلْ مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ الله إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سواءا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً } .

أى: قبل - أيها الرسول - لهؤلاء الجاهلين: من هذا الذى يملك أن يدفع ما يريده الله - تعالى - بكم من خير أو شر ، ومن نعمة أو نقمة ، ومن موت أو حياة .

إن أحدًا لا يستطيع أن يمنع قضاء الله عنكم . فالاستفهام للإِنكار والنفى .

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ، ولا عصمة إلا من السوء؟

قلت: معناه ، أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة ، فاختصر الكلام وأجرى مجرى قول:"متقلدا سيفا ورمحا"- أى:"متقلدا سيفا وحاملا رمحا".

وقوله - تعالى -: { وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا } معطوف على ما قبله . أى: لا يجدون من يعصمهم مما يرديه الله - تعالى - بهم ، ولا يجدون من دونه - سبحانه - وليا ينفعهم ، أو نصيرا ينصرهم ، إذ هو وحده - سبحانه - الناصر والمغيث والمجير .

قال - تعالى -: { مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ العزيز الحكيم } ثم بين - سبحانه - أن علمه محيط بهؤلاء المنافقين ، وأنهم لن يفلتوا من عقابه ، فقال: { قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلًا } . قال الآلوسى ما ملخصه: قال ابن السائب: الآية في عبد الله بن أبى وأمثاله ممن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة . كانوا إذا جاءهم المنافق قالوا له: ويحك اجلس ولا تخرج ، ويكتبون إلى إخوانهم في العسكر ، أن ائتونا فإنا ننتظركم .

وكان بعضهم يقول لبعض: ما محمد وأصحابه إلا أكْلَةُ راس ، ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه ، فخلوهم .

و"قد"للتحقيق ، لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ . و"المعوقين"من العَوْق وهو المنع والصرف ، يقال: عاق فلان فلانا ، إذا صرفه عن الجهة التى يريدها .

و"من"فى قوله { مِنكُمْ } للبيان . والمراد بالأخوة: التطابق والتشابه في الصفات الذميمة ، والاتجهات القبيحة . التى على رأسها كراهيتهم للنبى صلى الله عليه وسلم ولأصحابه .

و"هلم"اسم فعل أمر بمعنى أقبل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت