فهرس الكتاب

الصفحة 1116 من 1236

عباد الله، لقد شكوتم إلى ربكم جدْب دياركم، وتأخر المطر عن إبّان نزوله عن بلادكم وأوطانكم، فما أحرى ذلك أن يدفعكم إلى محاسبة أنفسكم، ومراجعة دينكم، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] ، أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَاذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] ، وَمَا أَصَابَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [الشورى:30] ، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41] .

وما ابتلي المسلمون اليوم بقلة الأمطار، وغور المياه، وانتشار الجدْب والقحط، وغلبة الجفاف والمجاعة والفقر، في بقاع كثيرة من العالم، إلا بسبب الذنوب والمعاصي.

رأيت الذنوب تميت القلوب ……وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب ……وخير لنفسك عصيانها

إذا كنت في نعمة فارعها ……فإن المعاصي تزيل النعم

وداوم عليها بشكر الإله …فإن الإله سريع النقم

أيها الأحبة في الله، إن تشخيص الداء في هذه القضية يحمل في طياته أسبابًا كثيرة، منها: غفلة العباد، وقسوة قلوبهم، وضعف إيمانهم، وانتشار الذنوب والمعاصي بينهم، لا سيما منع الزكاة، ونقص المكاييل والموازين، والتقصير في الدعاء والضراعة، والإعراض عن التوبة والتسويف فيها، وإغفال الاستغفار الذي هو السبب العظيم في استنزال المطر من السماء، يقول تعالى عن نوح عليه السلام: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا [نوح:10-12] ، وقال سبحانه عن هود عليه السلام: وَياقَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُمْ مّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ [هود:52] ، واستسقى عمر رضي الله عنه فلم يزد على الاستغفار، فقيل له في ذلك، قال: (لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر) (3) [3] .

فالاستغفار ـ يا عباد الله ـ هو الدواء الناجع في حصول الغيث النافع، ولا بد في الاستغفار أن يكون صادقًا، فقد قال بعض السلف:"استغفارنا يحتاج إلى استغفار" (4) [4] .

فلنتق الله عباد الله، ولنعلم أنه ليس طلب الغيث بمجرد القلوب الغافلة، والعقول اللاهية، وإنما يتطلب تجديد العهد مع الله، وصدق العمل بشريعة الله، وفتح صفحة جديدة من حياة الاستقامة، وإصلاحًا شاملًا في كل مرافق الحياة، ومع هذا كله ففضل الله واسع، ورحمته وسعت كل شيء، وعفوه عمَّ كل التائبين، فما ضاق أمرٌ إلا جعل الله منه مخرجا، وما عظم خطب إلا جعل الله معه فرجا، فمنه يكون الخوف، وفيه يكون الرجا، هاهو جل وعلا ينادي عباده للتوبة والإنابة: قُلْ ياعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] ، ويقول سبحانه: وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًَا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82] .

وإن مواهب ربنا لجليلة، عطاياه لجزيلة، بابه للسائلين مفتوح، وعطاؤه للمقبلين ممنوح، وفضله للراغبين يغدو ويروح، فاشكروه على ما أعطى، وارجعوا عن المعاصي والأخطاء، جددوا التوبة من ذنوبكم، واتركوا التشاحن، واخرجوا من المظالم، وأحسنوا الظن بربكم، وتسامحوا، وتراحموا، ولا تقنطوا من رحمة الله، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

وإني لأدعو الله حتى كأنما ……أرى بجميل الظن ما الله صانع

أيها الإخوة في الله، من رحمة الله بعباده أن أنزل لهم من الغيث نوعين اثنين: أحدهما معنوي والآخر حسي.

فالأول غيث القلوب والأرواح بالكتاب والسنة، وهذا الغيث هو مادة حياة القلوب، وصفاء الأرواح، وبه تتحقق سعادة الدارين، وصلاح الحياتين، وهذا الغيث ـ يا عباد الله ـ هو ما يفتقده الناس اليوم على الحقيقة، بل إن ضرورتهم إليه وحاجتهم له أشد من الغيث الحسي، وهو غيث الأرض بالمطر، ولا يحصل الثاني إلا بتحقق الأول، فعلينا ـ يا عباد الله ـ أن نتفقد قلوبنا؛ هل رويت من القرآن، أم هي ظامئة عطشى؟ يجب علينا أن ننظر في صحائفنا، هل هي ربيع لوحي الله، أم قاحلة جدْباء؟ لعل ذلك يدفعنا إلى إصلاح حالنا، وتقوية الإيمان في قلوبنا.

عباد الله، يا من خرجتم تستغيثون، هنيئًا لكم اجتماعكم هذا، لقد أجبتم داعي الله، وأحييتهم سنة رسول الله ، وامتثلتم أمر ولي الأمر وفقه الله، فلا حرمكم الله فضله وثوابه، وحقق آمالكم، واستجاب دعاءكم، وإنه لمن الحرمان العظيم تساهل بعض الناس في حضور دعوة الخير، وإحياء سنة المصطفى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت