هذا وإن الارتباط بين الغيث المعنوي والحسي عظيم ووثيق، فإذا أجدبت الأحاسيس والمشاعر، وقحطت المعاني الخيّرة والمثل العليا في النفوس والضمائر، وساد الناس جفاف في الإيمان والسلوك، بليت الأمة بمنع القطر، وإذا رُويت بالإيمان والتقوى سعدت في الأولى والعقبى، وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَاكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ [الأنعام:42، 43] .
فيا عباد الله، ألم يأن لنا أن تخشع قلوبنا لذكر الله، فلنتق الله عباد الله، ولنتأس بنبينا الحبيب المصطفى ، فقد خرج يوم الاستسقاء متخشِّعًا متذللًا، متضرعًا (5) [5] ، مجتهدًا في الدعاء، لأن الاجتهاد في الدعاء من أعظم الأمور التي يستنزل بها المطر، يقول سبحانه: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء الأرْضِ أَءلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ [النمل:62] ، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] ، وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] ، وقد ورد أن الله عز وجل يستحي من عباده، إذا رفعوا أيديهم إليه، أن يردها صفرًا أي خائبتين (6) [6] .
أتهزأ بالدعاء وتزدريه ……ولم تدْر ما صنع الدعاء
سهام الليل لا تخطئ ولكن ……لها أمدٌ وللأمد انقضاء
إذا علمتهم ذلك ـ يا عباد الله ـ فارفعوا قلوبكم وأيديكم إلى ربكم ومولاكم، والهجوا بالثناء عليه سبحانه، طالبين الغيث منه، راجين لفضله، مؤمِّلين لكرمه، ملحِّين عليه بإغاثة القلوب والأرواح، وسقي البلاد والعباد، فمتى علم الله إخلاصكم وصدقكم وتضرعكم، أغاث قلوبكم بالتوبة إليه، وبلدكم بإنزال المطر عليه.
لا إله إلا الله غياث المستغيثين ، وراحم المستضعفين، وجابر كسر المنكسرين، لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العشر الكريم.
نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه.
اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، على الله توكلنا، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم إنا خلق من خلقك، فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان واليقين، وبلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين.
اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفَّارًا، فأرسل السماء علينا مدرارا، اللهم أغثنا غيثًا هنيئًا مريئًا مريعًا سحًّا غدقًا طبقا عامًا واسعًا مجللا، نافعًا غير ضار، عاجلا غير آجل، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاءٍ ولا هدم ولا غرق.
اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، اللهم أغثنا غيثًا مباركا، تحيي به البلاد، وتسقي به العباد، وتجعله بلاغًا للحاضر والباد.
اللهم أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلته عونًا لنا على طاعتك وبلاغًا إلى حين.
اللهم أنبت لنا الزرع، وأدرّ الضرع، وأسقنا من بركاتك، وأنزل علينا من بركات السماء، وأخرج لنا من بركات الأرض.
اللهم ارفع عنا الجهد والقحط والجفاف، وعن بلاد المسلمين يا رب العالمين، واكشف عنا من الضر ما لا يكشفه غيرك.
اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك.
اللهم ارحم الشيوخ الركع، والبهائم الرتع، والأطفال الرضع، اللهم اكشف الضر عن المتضررين، والكرب عن المكروبين، وأسبغ النعم، وادفع النقم عن عبادك المؤمنين.
اللهم صل وسلم وبارك على خاتم النبيين، وإمام المتقين، وأشرف المرسلين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين.
اللهم ادفع عنا الغلا والوبا والربا والزنا والزلازل والمحن، والقحط وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، وهيئ له البطانة الصالحة، يا رب العالمين.
اللهم أمدَّ بالعون والتسديد والتوفيق أميرنا وسائر المسلمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله، لقد كان من سنة نبيكم ، بعدما يستغيث ربه أن يقلب رداءه (7) [7] ، فاقلبوا أرديتكم، اقتداءً بسنة نبيكم ، وتفاؤلًا أن يقلب الله حالكم من الشدة إلى الرخاء، ومن القحط إلى الغيث، وليكون ذلك شعارًا وعهدًا تأخذونه على أنفسكم بتغيير لباسكم الباطن إلى لباس الإيمان والتقوى بدلًا من لباس الذنوب والمعاصي.