والمراد بمن كان يرجو الله واليوم الآخر: المؤمنون الصادقون الذين وفو بعهودهم . أى: لقد كان لكم - أيها الناس - قدوة حسنة في نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وهذه القدوة الحسنة كائنة وثابتة للمؤمنين حق الإِيمان . الذين يرجون ثواب الله - تعالى - ، ويؤملون رحمته يوم القيامة ، إذ هم المنتفعون بالتأسى برسولهم صلى الله عليه وسلم وقوله: { وَذَكَرَ الله كَثِيرًا } معطوف على { كَانَ } ، أى: هذه الأسوة الحسنة بالرسول صلى الله عليه وسلم ثابتة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ، ولمن ذكر الله - تعالى - ذكرا كثيرا ، لأن الملازمة لذكر الله - تعالى - توصل إلى طاعته والخوف منه - سبحانه - .
وجمع - سبحانه - بين الرجاء والإِكثار من ذكره ، لأن التأسى التام بالرسول صلى الله عليه وسلم لا يتحقق إلا بهما .
ثم بين - سبحانه - على سبيل التشريف والتكريم - ما قاله المؤمنون الصادقون عندما شاهدوا جيوش الأحزاب ، فقال - تعالى -: { وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا } .
واسم الإِشارة { هذا } يعود إلى ما رأوه من الجيوش التى جاء بها المشركون ، أو إلى ما حدث لهم من ضيق وكرب بسبب ذلك .
أى: وحين رأى المؤمنون الصادقون جيوش الأحزاب وقد أقبلت نحو المدينة ، لم يهنوا ولم يجزعوا ، بل ثبتوا على إيمانهم وقالوا { هذا } الذى نراه من خطر داهم ، هو ما وعدنا به الله ورسوله ، وأن هذا الخطر سيعقبه النصر ، وهذا الضيق سيعقبه الفرج ، وهذا العسر سيأتى بعد اليسر .
قال الآلوسى ما ملخصه: وأرادوا بقولهم ذلك ، ما تضمنه قوله - تعالى - في سورة البقرة: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } وكان نزول هذه الآية قبل غزوة الخندق بحول - كما جاء عن ابن عباس .
وفى رواية عن ابن عباس - أيضا -"أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: إن الأحزاب سائرون إليكم تسعا أو عشرا"، أى: في آخر تسع ليال أو عشر ، أى: من وقت الاخبار ، أو من غرة الشهر فلما رأوهم قد أقبلوا في الموعد الذى حدده صلى الله عليه وسلم قالوا ذلك .
وقوله - تعالى -: { وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ } داخل في حيز ما قالوه .
أى: قالوا عندما شاهدوا جيوش الأحزاب: هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وقالوا - أيضا - على سبيل التأكيد وقوة اليقين والتعظيم لذات الله ، ولشخصية رسوله: وصدق الله ورسوله ، أى: وثبت صدق الله - تعالى - في أخباره ، وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم في أقواله .
والضمير في قوله: { وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا } يعود إلى ما رأوه من جيوش الأحزاب ومن شدائد نزلت بهم بسبب ذلك .
أى - وما زادهم ما شهدوه من جيوش الأحزاب ، ومن بلاء أحاط بهم بسبب ذلك ، إلا إيمانا بقدرة الله - تعالى - وتسليما لقضائه وقدره ، وأملا في نصره وتأييده .
ثم أضاف - سبحانه إلى هذا المديح لهم ، مديحا آخر فقال: { مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا } والنحب: النذر ، وهو أن يلتزم الانسان الوفاء بأمر تعهد به .
وقضاؤه: الفراغ منه ، والوفاء به على أكمل وجه .
وكان رجال من الصحابة قد نذروا ، أنهم إصا صاحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرب ، أن يثبتوا معه ، وأن لا يفروا عنه .
والمعنى: من المؤمنين رجال كثيرون ، وفوا أكمل وفاء بما عاهدوا الله - تعالى - عليه ، من التأييد لرسوله صلى الله عليه وسلم ومن الثبات معه في كل موطن .
{ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ } أى: فمنهم من وفى بوعده حتى أدركه أجله فمات شهيدا - كحمزة بن عبد المطلب ، ومصعب ابن عمير وغيرهما - رضى الله عنهم أجمعين - .
{ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ } أى: ومنهم من هو مستمر على الوفاء ، وينتظر الشهادة في سبيل الله - تعالى - في الوقت الذى يريده - سبحانه - ويختاره ، كبقية اليالصحابة ن نزلت هذه الآية وهم ما زالو على قيد الحياة .
قال الامام ابن كثير: قال الامام أحمد: حدثنا هاشم من القاسم ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت قال أنس: غاب عمى أنس بن النضر - سُمِّيتُ به - لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه ، لئن أرانى الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليَريَّن الله ما أصنع . قال: فهاب أن يقول غيرها . فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد .
فاستقبل سعد بن معاذ ، فقال له أنس: يا ابا عمرو ، أين واهًا لريح الجنة أجده دون أحد .