قال ابن إسحاق: ثم إنهم عَدَوا على مَنْ أسلم , واتّبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه , فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين , فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش, وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر , من استضعفوا منهم , يفتنونهم عن دينهم , فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبه ومنهم من يَصْلُبُ لهم , ويعصمه الله منهم .
وكان بلال , مولى أبي بكر رضي الله عنهما , لبعض بني جمح , مُولَّدا من مولديهم , وهو بلال بن رباح , وكان اسمه أُمّه حمامة , وكان صادق الإسلام , طاهر القلب , وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جُمَح يخرجه إذا حَميت الظهيرة , فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره , ثم يقول له: لا والله لاتزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد , وتعبد اللات والعزى , فيقول وهو في ذلك البلاء: أحَد أحَد ( [7] ) .
وأخرج الإمام أحمد والحاكم خبر تعذيب بلال وغيره من المستضعفين , وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي . وكذلك صححه الذهبي في تاريخ الإسلام ( [8] ) .
وقد ذكر ابن إسحاق رحمه الله أن أبا بكر مرَّ به وهو يعذب فاشتراه من أمية بن خلف الجمحي ثم أعتقه لوجه الله تعالى , وذكر أنه أعتق ستة آخرين من المعذبين وهم: عامر بن فهيرة, وأم عبيس , وزنِّيرة , والنهدية وابنتها وجارية بني مؤمِّل ( [9] ) .
وأخرج الإمام البيهقي بإسناده عن يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه: أن أبا بكر أعتق ممن كان يُعذَّب في الله سبعة , فذكر منهم"الزِّنِّيرة"قال: فذهب بصرها وكانت ممن يعذب في الله على الإسلام , فتأبى إلا الإسلام , فقال المشركون: ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى, فقالت: كلا والله ماهو كذلك , فرد الله عليها بصرها ( [10] ) .
وفي هذا الخبر دلالة على قوة إيمان الصحابة ووضوح عقيدة التوحيد عندهم وأن ذلك كان حتى على مستوى العامة منهم .
وإن ما أكرم الله تعالى به تلك المرأة المؤمنة من رد بصرها إليها يُعدُّ إرغامًا للكافرين حيث كانوا يعتقدون أن أصنامهم تضر وتنفع من دون الله تعالى .
وهكذا كان أبو بكر ينفق ماله لإنقاذ المسلمين المستضعفين من أيدي الكافرين الطغاة ابتغاء رضوان الله تعالى والدار الآخرة .
وقد أثنى الله تعالى على هذا العمل الصالح بآيات من سورة (الليل) وذلك كما أخرج الحاكم من طريق ابن إسحاق قال حدثني محمد بن عبد الله بن أبي عتيق عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قال أبو قحافة لأبي بكر: أراك تعتق رقابًا ضعافًا فلو أنك إذ فعلت مافعلت أعتقت رجالًا جُلْدًا يمنعونك ويقومون دونك , فقال أبو بكر: يا أبت إني إنما أريد ما أريد: لِمَا نزلت هذه الآيات فيه
(فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى(5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14)
لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21) [الليل:5-21] .
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ( [11] ) .
وذكره السيوطي ونسبه إلى ابن جرير وابن عساكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير وذكر نحوه وقال فيه: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه (فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى...) الآيات ( [12] )
وفي هذه المحاورة بين أبي بكر وأبيه ندرك لونًا من ألوان الفرق بين نظرة أهل الجاهلية ونظرة المسلمين بالنسبة لوجوه إنفاق المال وبذل المعروف , فوالد أبي بكر ينظر إلى مستقبل الحياة الدنيا فيشير على ولده بأن يضع المعروف فيمن يستطيعون نفعه في مستقبل حياته , وهذا مبلغ علمه, فهو لايؤمن بالآخرة , وبالتالي فإنه لايتصور معروفًا يُبذل في الدنيا لَيجني باذله نفعه في الآخرة , ولهذا فإن بذل المعروف في ضعاف الناس الذين لايرجو نفعهم في الدنيا يعدُّ في نظره ونظر أهل الجاهلية من ضعف الرأي وضآلة التفكير , بينما يجيبه أبو بكر بقوله:"يا أبت إنما أريد ماأريد"فإذا كان أهل الجاهلية يريدون قبض ثمن معروفهم في الدنيا فإنه لايريد ذلك , وإنما يريده في الحياة الآخرة طلبًا لرضوان الله تعالى والدرجات العُلَى في الجنة .
وحينما يُحشر الخلائق يوم القيامة وتوزن الأعمال ويكون الحساب يذكر العاملون للدنيا فقط أنهم قد خسروا كل شيء , ويوقنون بأن الذين عملوا للآخرة كانوا أكمل عقلًا وأسد رأيًا منهم .