وإنه ليشبه عمل هؤلاء الذين يعملون لدنيا هم مايقوم به بعض المسؤولين من المسلمين الذين يقدمون المعروف لكبار الناس ممن يرجون نفعهم في الحياة الدنيا ولايريدون ببذل المعروف وجه الله تعالى والدار الآخرة . بينما يقبضون معروفهم عن ضعفاء الناس الذين لايرجون منهم نفعًا دنيويًّا , وإن كان هؤلاء يختلفون عن أهل الجاهلية بكونهم مسلمين ولهم أعمال صالحة أخرى .
إن الذي ينظر في بذل المعروف إلى الكسب الأخروي لايفرق في ذلك بين كبراء الناس وضعفائهم , ولا بين أصحاب المسؤولية ومن هم خلْوٌ منها لأنه لاينتظر منهم وهو يبذل لهم المعروف أن يبادلوه بمثله وإنما ينتظر الأجر والرفعة في الآخرة , وذلك هو الفلاح الأكبر .
ومما ينبغي التنبيه إليه أن والد أبي بكر قد أسلم يوم فتح مكة رضي الله عنهما .
وممن تعرض للأذى عمار بن ياسر وأبوه وأمه رضي الله عنهم .
قال ابن إسحاق رحمه الله: وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وأبيه وأمه - وكانوا أهل بيت إسلام - إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة , فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول - فيما بلغني - صبرًا آل ياسر موعدكم الجنة , فأما أمه فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام ( [13] ) .
وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي ( [14] ) .
وذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات ( [15] ) .
وقد بقيت آثار التعذيب على ظهر عمار بعد ذلك كما روى ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال: أخبرني من رأى عمار بن ياسر متجردًا في سراويل , قال: ونظرت إلى ظهره فإذا فيه حَبَط فقلت: ما هذا ؟ قال: هذا ماكانت قريش تعذبني في رمضاء مكة ( [16] ) .
وممن تعرضوا للأذى خباب بن الأرَتّ رضي الله عنه , ومن ألوان هذا العذاب ما أخرجه أبو نعيم عن الشعبي قال: سأل عمر خبابًا عما لقي من المشركين , فقال خباب: يا أمير المؤمنين انظر إلى ظهري , فقال عمر: مارأيت كاليوم , قال: أوقدوا لي نارًا فما أطفأها إلا ودك ظهري ( [17] )
وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي ليلى الكندي قال: جاء خباب إلى عمر فقال: ادْنُ فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار , فجعل خباب يريه آثارًا بظهره مما عذبه المشركون .
قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ( [18] ) .
وإنما ذكر عمر عمارًا لاشتراكه مع خباب في التعذيب , والرواية الأولى تبين أن خبابًا أظهر آثار التعذيب بعدما سأله أمير المؤمنين عمر عن ذلك رضي الله عنهم أجمعين .
وأخرج الإمام البخاري بسنده عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة له في ظل الكعبة , فقلنا: ألا تستنصر لنا , ألا تدعو لنا ؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فَيُجَاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه , والله لَيتمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضْرَمَوت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ( [19] ) .
ومن هذه النماذج العالية نعرف كيف كان الصحابة رضي الله عنهم يضحون بأنفسهم في سبيل هذا الدين ويتحملون أنواع الأذى في سبيل إظهار دعوتهم , حتى ضربوا بذلك أروع الأمثلة لمن جاء بعدهم في الصبر والتضحية , وتقديم مصلحة الدعوة الإسلامية على المصالح الذاتية .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم:"صبرًا آل ياسر موعدكم الجنة"تحديد للهدف العالي الذي يجب أن يسعى له كل مسلم , فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَعدْهم بقصور الدنيا وبساتينها ونعيمها مع ماكان يعلمه بوحي من الله تعالى من غلبة هذا الدين وانتصار المسلمين على أمم الأرض في المستقبل , لأن هذا ليس هو الهدف السامي الذي شرع الله الإسلام من أجله إنما الهدف السامي هو الذي أثنى الله به جل وعلا على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) [الفتح:من 29] وهو ماوُعد به آل ياسر في هذا الحديث لأن المراد بالفضل في الآية الجنة .
إنه لو كان الوعد بمتاع الحياة الدنيا الزائل لما هانت على هؤلاء أنفسهم لأن هذا الهدف يستدعي استبقاءهم لأنفسهم حتى يظفروا به , ولما وُجد الشهداء في سبيل الله تعالى إلا قليلًا ولما حصل النصر والتمكين في الأرض للمسلمين .
إن الإسلام يشد المسلمين إلى الآخرة لتهون عليهم الحياة الدنيا , فإذا عرفوا هذا الهدف وطبقوه انتصروا على أعدائهم لأن وصولهم إلى هذا الهدف يستدعي تسابقهم إلى الموت في سبيل الله تعالى , أما أعداؤهم فإن أهدافهم دنيوية قريبة وإن الوصول إليها يستدعي تنافسهم على البقاء, والمنطق الطبيعي في ذلك أن يحاول كل واحد منهم أن يدرأ الخطر عن نفسه ويتقي بغيره , بينما المنطق الطبيعي بالنسبة للمسلمين الذين يعون الهدف السامي أن يفدي كل واحد منهم إخوانه بنفسه ليسبقهم على الوصول إلى الهدف .