فهرس الكتاب

الصفحة 1228 من 1236

للعلماء الربانيين مواقف عديدة يتضح منها مدى ثباتهم على الحق، وتمسكهم به، وعدم تزحزحهم عنه، وبذل أنفسهم في سبيل الله رخيصة، طلبًا لمرضاته ومغفرته. ومن هذه المواقف العظيمة موقف إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، عندما تعرض إلى فتنة القول بخلق القرآن، التي دعا إليها الخليفة العباسي المأمون، بناء على مذهب أحمد بن أبي دؤاد ومشورته له بذلك، وقد رفض عدد من العلماء القول بهذه المقولة، فمنهم من قتل ومنهم من سجن، ومنهم من استجاب ظاهرًا فقط ليحفظ دمه أخذًا بقوله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان... ) . أما الإمام أحمد فكان له معهم شأن آخر، فقد رفض الانصياع لمثل هذا القول، وآثر قول الحق مهما كلفه ذلك من عذاب وشدة، فكان نتيجة ذلك أن رفع الله شأنه في الدنيا، وعرف الناس الحق. وكانت بداية المحنة أن أمر المأمون إسحاق بن إبراهيم - وهو صاحب شرطة المأمون على بغداد - أن يمتحن الناس بالقول بخلق القرآن، فمن أبى منهم حبس، فأجابه القوم إلى ذلك إلا أربعة: أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح والقواريري والحسن بن حماد المعروف بسجادة لكثرة عبادته، فدعاهم إلى القول بخلق القرآن فأبى أن يجيبه أحد منهم، فأدخلوا الحبس ثم أجاب إلى هذا القول القواريري والحسن بن حماد، وبقي أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهم. قال الفضل بن زياد: لما خرج أحمد بن حنبل من عند إسحاق يوم امتحنه - وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة ومائتين - قعد في المسجد فقال له جماعة: أخبرنا بمن أجاب - يعني إلى القول بخلق القرآن - فكأنه ثقل عليه، فكلموه أيضًا فقال: لم يجب أحد من أصحابنا والحمد لله. ثم ذكر من أجاب من العلماء ومن وافقهم على ما أرادوا، ثم قال: امتحنهم مرة، مرة، وامتحنني مرتين، مرتين. فقال: ما تقول في القرآن؟ قلت: كلام الله غير مخلوق. فأقامني وأجلسني في ناحية، ثم سألهم، ثم ردني ثانية، فسألني وأخذني في التشبيه. فقلت: ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) فقال لي: وما السميع البصير؟ فقلت: هكذا قال تعالى. فلما بلغ المأمون رفض الإمام أحمد ومحمد بن نوح القول بأن القرآن مخلوق، أمر بإحضارهما إليه مقيدين، وكان مقيمًا بمدينة طرسوس. قال محمد بن إبراهيم البوشنجي: فجعلوا يذكرون أبا عبد الله وهو بالرقة في التقية وما روي فيها من الجواز. فقال: كيف تصنعون بحديث خباب: إن من كان قبلكم كان ينشر أحدهم بالمنشار، لا يصده ذلك عن دينه. فأيسنا منه وعلمنا أن لن يجيبهم إلى ما أرادوا. ثم قال: لست أبالي بالحبس ما هو ومنزلي إلا واحد، ولا أخاف قتلًا بالسيف، إنما أخاف فتنة السوط - يعني الجلد بالسياط - فسمعه بعض أهل الحبس فقال له: لا عليك يا أبا عبد الله، فما هو إلا سوطان ثم لا تدري أين يقع الباقي. فكان ذلك سببًا في التخفيف عنه. وحدث الإمام أحمد قال: ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق، قال: يا أحمد، إن يقتلك الحق مت شهيدًا، وإن عشت، عشت حميدًا. فقوى قلبي. هذا وقد كان الإمام أحمد يدعو الله كثيرًا ألا يجتمع بالمأمون، فاستجاب الله دعاءه فلم يجتمع به، وذلك أنه مات قبل أن يصلا إليه. فلما بلغهم نبأ وفاة المأمون، ردا في قيودهما إلى بغداد، فأما محمد بن نوح فإنه مات في الطريق ففك قيده وصلى عليه الإمام أحمد ودفنه وقال: ما رأيت أحدًا على حداثة سنه وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، إني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير، قال ذات يوم: يا أبا عبد الله، الله، الله، إنك لست مثلي. أنت رجل يقتدى بك. قد مد الخلق أعناقهم إليك، لما يكون منك، فاتق الله واثبت لأمر الله، أو نحو هذا. فلما تولى المعتصم الخلافة بعد المأمون استمر على نفس الأمر، وأمر بسجن الإمام أحمد. حدث صالح بن أحمد قال: قال أبي: كان يوجه إلي كل يوم رجلين أحدهما يقال له: أحمد بن رباح والآخر يقال له: أبو شعيب الحجام فلا يزالان يناظراني حتى إذا قاما دعي بقيد فزيد في قيودي، فصار في رجلي أربعة أقياد، فلما كان اليوم الثالث دخل علي فناظرني فقلت له: ما تقول في علم الله؟ قال: مخلوق. قلت: كفرت بالله، فقال الرسول- الذي كان يحضر من قبل إسحاق بن إبراهيم-: إن هذا رسول أمير المؤمنين، فقلت: إن هذا قد كفر. فلما كان في الليلة الرابعة وجه يعني المعتصم ببغا الكبير إلى إسحاق، فأمره أن يحملني إليه، فأدخلت على إسحاق، فقال: يا أحمد إنها والله نفسك إنه لا يقتلك بالسيف، إنه قد آلى إن لم تجبه أن يضربك ضربًا بعد ضرب، وأن يقتلك في موضع لا يرى فيه شمس ولا قمر، أليس قد قال الله ـ تعالى ـ: (إنا جعلناه قرآنًا عربيًا) أفيكون مجعولًا إلا مخلوقًا؟ فقلت: فقد قال الله ـ تعالى ـ: (فجعلهم كعصف مأكول) أفخلقهم؟ قال: فسكت. فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أخرجت، وجيء بدابة فأركبت وعلي الأقياد ما معي من يمسكني، فكدت غير مرة أن أخر على وجهي لثقل القيود فجيء بي إلى دار المعتصم فأدخلت حجرة ثم أدخلت بيتًا وأقفل الباب علي في جوف الليل ولا سراج، فأردت الوضوء فمددت يدي فإذا أنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت