بإناء فيه ماء وطست موضوع فتوضأت وصليت. فلما كان من الغد أخرجت تكتي وشددت بها الأقياد أحملها وعطفت سراويلي فجاء رسول المعتصم فقال: أجب. فأخذ بيدي وأدخلني عليه والتكة في يدي أحمل بها الأقياد، وإذا هو جالس وأحمد بن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع خلقًا كثيرًا من أصحابه، فقال لي المعتصم: ادنه، ادنه فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال: اجلس فجلست، وقد أثقلتني الأقياد فمكثت قليلًاثم قلت: أتأذن في الكلام؟ قال: تكلم. فقلت: إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكت هنية ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فقلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قلت: إن جدك ابن عباس يقول: لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سألوه عن الإيمان، فقال: أتدرون ما الإيمان؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا الخمس من المغنم. قال أبي: فقال، يعني المعتصم: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك. ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحاق، ألم آمرك برفع المحنة؟ فقلت: الله أكبر إن في هذا لفرجًا للمسلمين، ثم قال لهم: ناظروه وكلموه، يا عبد الرحمن كلمه. فقال: ما تقول في القرآن؟ قلت: ما تقول أنت في علم الله؟ فسكت، فقال لي بعضهم: أليس قال الله ـ تعالى ـ: (الله خالق كل شيء) والقرآن أليس شيئًا؟ فقلت: قال الله (تدمر كل شيء) فدمرت ما أراد الله. فقال بعضهم: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) أفيكون محدث إلا مخلوقًا؟ فقلت: قال الله (ص والقرآن ذي الذكر) فالذكر هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولام. وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين (إن الله خلق الذكر) فقلت: هذا لفظ خطأ حدثنا غير واحد (إن الله كتب الذكر) . واحتجوا بحديث ابن مسعود: ما خلق الله من جنة ولا نار ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي. فقلت: إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض ولم يقع على القرآن. فقال بعضهم: حديث خباب: يا هنتاه تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه. فقلت: هكذا هو. قال صالح: وجعل ابن أبي دؤاد ينظر إلى أبي كالمغضب. قال أبي: وكان يتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فيقول: يا أمير المؤمنين، هو والله ضال مبتدع، فيقول: كلموه ناظروه فيكلمني هذا فأرد عليه، ويكلمني هذا فأرد عليه، فإذا انقطعوا يقول المعتصم: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى أقول به. فيقول أحمد بن أبي دؤاد: أنت لا تقول إلا ما في الكتاب والسنة؟ فقلت له: تأولت تأويلًا فأنت أعلم وما تأولت ما يحبس عليه ولا يقيد عليه. قال صالح: وجعل ابن أبي دؤاد يقول: يا أمير المؤمنين والله لئن أجابك لهو أحب إلي من مئة ألف دينار، ومئة ألف دينار فيعد من ذلك ما شاء الله أن يعد. فقال: لئن أجابني لأطلقن عنه بيدي، ولأركبن إليه بجندي، ولأطأن عقبه. - يعني بذلك إكرامه - ثم قال: يا أحمد: والله إني عليك لشفيق، وإني لأشفق عليك كشفقتي على ابني هارون، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله. فلما طال المجلس، ضجر وقال: قوموا وحبسني عنده وعبد الرحمن بن إسحاق يكلمني. وقال: ويحك أجبني وقال: ويحك ألم تكن تأتينا؟ فقال له عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعتك والحج والجهاد معك، فيقول: والله إنه لعالم وإنه لفقيه وما يسوءني أن يكون معي يرد عني أهل الملل. ثم قال: ما كنت تعرف صالحًا الرشيدي؟ قلت: قد سمعت به. قال: كان مؤدبي وكان في ذلك الموضع جالسًا - وأشار إلى ناحية من الدار - فسألته عن القرآن فخالفني فأمرت به فوطئ وسحب, يا أحمد أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي. قلت: أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله. فطال المجلس وقام ورددت إلى الحبس. فلما كان المغرب وجه إلي برجلين من أصحاب ابن أبي دؤاد يبيتان عندي ويناظراني ويقيمان معي، حتى إذا كان وقت الإفطار جيء بالطعام ويجتهدان بي أن أفطر فلا أفعل - وكانت ليالي رمضان - قال: ووجه المعتصم إلى ابن أبي دؤاد في الليل فقال: يقول لك أمير المؤمنين ما تقول؟ فأرد عليه نحو مما كنت أرد. فقال ابن أبي دؤاد: والله لقد كتب اسمك في السبعة. يحيى بن معين وغيره. فمحوته ولقد ساءني أخذهم إياك. ثم قال: إن أمير المؤمنين قد حلف أن يضربك ضربًا بعد ضرب وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس ويقول: إن أجابني جئت إليه حتى أطلق عنه بيدي ثم انصرف. فلما أصبحنا جاء رسوله فأخذ بيدي حتى ذهب بي إليه فقال لهم: ناظروه فجعلوا يناظروني فأرد عليهم، فإذا جاءوا بشيء من الكلام مما ليس في الكتاب والسنة قلت: ما أدري ما هذا؟ قال: فيقولون: يا أمير المؤمنين إذا توجهت الحجة علينا ثبت، وإذا كلمناه بشيء يقول: لا أدري ما هذا؟ فقال: ناظروه. فقال رجل: يا أحمد أراك تذكر الحديث وتنتحله. فقلت: ما تقول في قوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) ؟