فهرس الكتاب

الصفحة 1230 من 1236

قال: خص بها المؤمنين. قلت: ما تقول إن كان قاتلًا أو عبدًا؟ فسكت. وإنما احتججت عليهم بهذا لأنهم كانوا يحتجون بظاهر القرآن. فحيث قال لي: أراك تنتحل الحديث اجتججت بالقرآن يعني وإن السنة خصصت القاتل والعبد. فأخرجتهما من العموم، قال: لم يزالوا كذلك إلى قرب الزوال. فلما ضجر قال: قوموا ثم خلا بي وبعد الرحمن بن إسحاق فلم يزل يكلمني ثم قام ودخل، ورددت إلى الموضع. فلما كانت الليلة الثالثة قلت: خليق أن يحدث غدًا من أمري شيء، فقلت للموكل بي: أريد خيطًا فجاءني بخيط فشددت به الأقياد ورددت التكة إلى سراويلي، مخافة أن يحدث من أمري شيء فأتعرى، فلما كان من الغد أدخلت إلى الدار فإذا هي غاصة، فجعلت أدخل من موضع إلى موضع وقوم معهم السيوف وقوم معم السياط وغير ذلك، ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء. فلما انتهيت إليه قال: اقعد ثم قال: ناظروه كلموه. فجعلوا يناظروني يتكلم هذا فأرد عليه ويتكلم هذا فأرد عليه، وجعل صوتي يعلو أصواتهم فجعل بعض من هو قائم على رأسي يومئ إلي بيده، فلما طال المجلس نحاني ثم خلا بهم، ثم نحاهم وردني إلى عنده، وقال: ويحك يا أحمد أجبني حتى أطلق عنك بيدي، فرددت عليه نحو ردي. فقال: عليك، وذكر اللعن، خذوه اسحبوه. فسحبت. قال: وقد كان صار إلي شعر من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كم قميصي، فوجه إلي إسحاق بن إبراهيم يقول: ما هذا المصرور؟ قلت: شعر من شعر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وسعى بعضهم ليخرق القميص عني، فقال المعتصم: لا تخرقوه، فنزع فظننت أنه إنما درئ عن القميص الخرق بالشعر. قال صالح: قال أبي: لما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم وقال: ائتوني بغيرها، ثم قال: للجلادين تقدموا فجعل يتقدم إلي الرجل منهم فيضربني سوطين، فيقول له: شد قطع الله يدك، ثم يتنحى ويقوم الآخر فيضربني سوطين، وهو يقول في كل ذلك: شد قطع الله يدك، فلما ضربت تسعة عشر سوطًا قام إلي - يعني المعتصم - وقال: يا أحمد علام تقتل نفسك إني والله عليك لشفيق، قال: فجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه وقال: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟ وجعل بعضهم يقول: ويلك الخليفة على رأسك قائم، وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي اقتله، وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين أنت صائم وأنت في الشمس قائم، فقال: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقول به فرجع وجلس، وقال للجلاد: تقدم وأوجع قطع الله يدك، ثم قام الثانية فجعل يقول: ويحك يا أحمد أجبني، فجعلوا يقبلون علي ويقولون: يا أحمد إمامك على رأسك قائم، وجعل عبد الرحمن يقول: من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟ وجعل المعتصم يقول: ويحك أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي، فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب الله، فيرجع ويقول للجلادين تقدموا فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين ويتنحى وهو في خلال ذلك يقول: شد قطع الله يدك، قال أبي: فذهب عقلي فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أطلقت عني، فقال لي رجل ممن حضر: إنا كببناك على وجهك وطرحنا على ظهرك بارية ودسناك، قال أبي: فما شعرت بذلك وأتوني بسويق فقالوا لي: اشرب وتقيأ، فقلت: لا أفطر، ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم فحضرت صلاة الظهر فتقدم ابن سماعة فصلى، فلما انفتل من صلاته قال لي: صليت والدم يسيل في ثوبك؟ فقلت: قد صلى عمر وجرحه يثغب دمًا. قال صالح: ثم خلي عنه فصار إلى منزله، وكان مكثه في السجن منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلي عنه ثمانية عشر شهرًا، ولقد أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه قال: يا ابن أخي ـ رحمة الله ـ على أبي عبد الله، والله ما رأيت أحدًا يشبهه، ولقد جعلت أقول له - في وقت ما يوجه إلينا بالطعام-: يا أبا عبد الله أنت صائم وأنت في موضع تقية فيأبى، ولقد عطش فقال لصاحب الشراب: ناولني فناوله قدحًا فيه ماء وثلج فأخذه ونظر إليه هنيهة ثم رده ولم يشرب، فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش وهو فيما هو فيه من الهول. قال: صالح فكنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعامًا أو رغيفًا في تلك الأيام فلم أقدر. وأخبرني رجل حضره أنه تفقده في الأيام الثلاثة وهم يناظرونه فما لحن في كلمة قال: وما ظننت أن أحدًا يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: ذهب عقلي مرارًا فكان إذا رفع عني الضرب رجعت إلي نفسي، وإذا استرخيت وسقطت رفع عني الضرب، أصابني ذلك مرارًا، ورأيته يعني المعتصم قاعدًا في الشمس بغير مظلة، فسمعته وقد أفقت يقول لابن أبي دؤاد: لقد ارتكبت إثمًا في أمر هذا الرجل. فقال: يا أمير المؤمنين إنه والله كافر مشرك قد أشرك من غير وجه، فلا يزال به حتى يصرفه عما يريد، وقد كان أراد أن يخليني بلا ضرب فلم يدعه ولا إسحاق بن إبراهيم. هذه هي قصة الإمام أحمد وثباته على الحق وعدم تزعزعه عنه، وإن فيها لعبرة لمن أراد الاعتبار، وفيها دليل على زهد العلماء في الدنيا وتضحيتهم في سبيل نشر الحق بين الناس. لقد كان بإمكان الإمام أحمد أن ينطق بما أرادوا على سبيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت