فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 1236

فهم ما يزالون يرتعشون ، ويتخاذلون ، ويخذّلون! ويأبون أن يصدقوا أن الأحزاب قد ذهبت ، وأنه قد ذهب الخوف ، وجاء الأمان!

{ وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم } . .

يا للسخرية! ويا للتصوير الزري! ويا للصورة المضحكة! وإن يأت الأحزاب يود هؤلاء الجبناء لو أنهم لم يكونوا من أهل المدينة يومًا من الأيام . ويتمنون أن لو كانوا من أعراب البادية ، لا يشاركون أهل المدينة في حياة ولا في مصير . ولا يعلمون حتى ما يجري عند أهلها . إنما هم يجهلونه ، ويسألون عنه سؤال الغريب عن الغريب! مبالغة في البعد والانفصال ، والنجاة من الأهوال!

يتمنون هذه الأمنيات المضحكة ، مع أنهم قاعدون ، بعيدون عن المعركة ، لا يتعرضون لها مباشرة؛ إنما هو الخوف من بعيد! والفزع والهلع من بعيد! { ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلًا } . .

وبهذا الخط ينتهي رسم الصورة . صورة ذلك النموذج الذي كان عائشًا في الجماعة الإسلامية الناشئة في المدينة؛ والذي ما يزال يتكرر في كل جيل وكل قبيل . بنفس الملامح ، وذات السمات . . ينتهي رسم الصورة وقد تركت في النفوس الاحتقار لهذا النموذج ، والسخرية منه ، والابتعاد عنه ، وهوانه على الله وعلى الناس .

ذلك كان حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في الصفوف ، وتلك كانت صورتهم الرديئة . ولكن الهول والكرب والشدة ، والضيق لم تحول الناس جميعًا إلى هذه الصورة الرديئة . . كانت هنالك صورة وضيئة في وسط الظلام ، مطمئنة في وسط الزلزال ، واثقة بالله ، راضية بقضاء الله ، مستيقنة من نصر الله ، بعد كل ما كان من خوف وبلبلة واضطراب .

ويبدأ السياق هذه الصورة الوضيئة برسول الله صلى الله عليه وسلم .

{ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ، وذكر الله كثيرًا } . .

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد ، مثابة الأمان للمسلمين ، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان . وإن دراسة موقفه صلى الله عليه وسلم في هذا الحادث الضخم لمما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم؛ وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر؛ وتطلب نفسه القدوة الطيبة؛ ويذكر الله ولا ينساه .

ويحسن أن نلم بلمحات من هذا الموقف على سبيل المثال . إذ كنا لا نملك هنا أن نتناوله بالتفصيل .

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في الخندق مع المسلمين . يضرب بالفأس ، ويجرف التراب بالمسحاة ، ويحمل التراب في المكتل . ويرفع صوته مع المرتجزين ، وهم يرفعون أصواتهم بالرجز في أثناء العمل ، فيشاركهم الترجيع! وقد كانوا يتغنون بأغان ساذجة من وحي الحوادث الجارية: « كان هناك رجل من المسلمين اسمه جعيل ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه ، وسماه عمرًا . فراح العاملون في الخندق يغنون جماعة بهذا الرجز الساذج:

_@_سماه من بعد جعيل عمرًا _@_ وكان للبائس يومًا ظهرًا_@_

فإذا مروا في ترجيعهم بكلمة » عمرو « ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » عمرًا « . وإذا مروا بكلمة » ظهر « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ظهرًا »

ولنا أن نتصور هذا الجو الذي يعمل فيه المسلمون ، والرسول صلى الله عليه وسلم بينهم ، يضرب بالفأس ، ويجرف بالمسحاة ، ويحمل في المكتل ، ويرجع معهم هذا الغناء .

ولنا أن نتصور أية طاقة يطلقها هذا الجو في أرواحهم؛ وأي ينبوع يتفجر في كيانهم بالرضى والحماسة والثقة والاعتزاز .

« وكان زيد بن ثابت فيمن ينقل التراب . فقال صلى الله عليه وسلم » أما إنه نعم الغلام! « وغلبته عيناه فنام في الخندق . وكان القر شديدًا . فأخذ عمارة بن حزم سلاحه ، وهو لا يشعر . فلما قام فزع . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » يا أبا رقاد! نمت حتى ذهب سلاحك «! ثم قال: » من له علم بسلاح هذا الغلام «؟ فقال عمارة: يا رسول الله هو عندي . فقال: » فرده عليه « . ونهى أن يروع المسلم ويؤخذ متاعه لاعبًا! »

وهو حادث كذلك يصور يقظة العين والقلب ، لكل من في الصف ، صغيرًا أو كبيرًا . كما يصور روح الدعابة الحلوة الحانية الكريمة: « يا أبا رقاد! نمت حتى ذهب سلاحك! » ويصور في النهاية ذلك الجو الذي كان المسلمون يعيشون فيه في كنف نبيهم ، في أحرج الظروف . .

ثم كانت روحه صلى الله عليه وسلم تستشرف النصر من بعيد ، وتراه رأي العين في ومضات الصخور على ضرب المعاول؛ فيحدث بها المسلمين ، ويبث فيهم الثقة واليقين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت