قال ابن إسحاق: « وحدثت عن سلمان الفارسي أنه قال: ضربت في ناحية من الخندق ، فغلظت عليّ صخرة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني . فلما رآني أضرب ، ورأى شدة المكان عليّ ، نزل فأخذ المعول من يدي ، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة . قال: ثم ضرب به ضربة أخرى ، فلمعت تحته برقة أخرى . قال: ثم ضرب به الثالثة ، فلمعت تحته برقة أخرى . قال: قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما هذا الذي رأيت ، لمع المعول وأنت تضرب؟ قال: » أوَ قد رأيت ذلك يا سلمان «؟ قال: قلت . نعم: قال: أما الأولى فإن الله فتح عليّ بها اليمن . وأما الثانية فإن الله فتح عليّ بها الشام والمغرب . وأما الثالثة فإن الله فتح عليّ بها المشرق » .
وجاء في « إمتاع الأسماع للمقريزي » أن هذا الحادث وقع لعمر بن الخطاب بحضور سلمان . رضي الله عنهما .
ولنا أن نتصور اليوم كيف يقع مثل هذا القول في القلوب ، والخطر محدق بها محيط .
ولنا أن نضيف إلى تلك الصور الوضيئة صورة حذيفة عائدًا من استطلاع خبر الأحزاب؛ وقد أخذه القر الشديد؛ ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي في ثوب لإحدى أزواجه . فإذا هو في صلاته واتصاله بربه ، لا يترك حذيفة يرتعش حتى ينتهي من صلاته بل يأخذه صلوات الله وسلامه عليه بين رجليه ، ويلقي عليه طرف الثوب ليدفئه في حنو .
ويمضي في صلاته . حتى ينتهي ، فينبئه حذيفة النبأ ، ويلقي إليه بالبشرى التي عرفها قلبه صلى الله عليه وسلم فبعث حذيفة يبصر أخبارها!
أما أخبار شجاعته صلى الله عليه وسلم في الهول ، وثباته ويقينه ، فهي بارزة في القصة كلها ، ولا حاجة بنا إلى نقلها ، فهي مستفيضة معروفة .
وصدق الله العظيم: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ، وذكر الله كثيرًا } . .
ثم تأتي صورة الإيمان الواثق المطمئن؛ وصورة المؤمنين المشرقة الوضيئة ، في مواجهة الهول ، وفي لقاء الخطر . الخطر الذي يزلزل القلوب المؤمنة ، فتتخذ من هذا الزلزال مادة للطمأنينة والثقة والاستبشار واليقين:
{ ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله . وصدق الله ورسوله . وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا } . .
لقد كان الهول الذي واجهه المسلمون في هذا الحادث من الضخامة؛ وكان الكرب الذي واجهوه من الشدة؛ وكان الفزع الذي لقوه من العنف ، بحيث زلزلهم زلزالًا شديدًا ، كما قال عنهم أصدق القائلين: { هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا } . .
لقد كانوا ناسًا من البشر . وللبشر طاقة . لا يكلفهم الله ما فوقها . وعلى الرغم من ثقتهم بنصر الله في النهاية؛ وبشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم ، تلك البشارة التي تتجاوز الموقف كله إلى فتوح اليمن والشام والمغرب والمشرق . . على الرغم من هذا كله ، فإن الهول الذي كان حاضرًا يواجههم كان يزلزلهم ويزعجهم ويكرب أنفاسهم .
ومما يصور هذه الحالة أبلغ تصوير خبر حذيفة . « والرسول صلى الله عليه وسلم يحس حالة أصحابه ، ويرى نفوسهم من داخلها ، فيقول: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع . يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة . أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة » . ومع هذا الشرط بالرجعة ، ومع الدعاء المضمون بالرفقة مع رسول الله في الجنة ، فإن أحدًا لا يلبي النداء . فإذا عين بالاسم حذيفة قال: فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني! . . ألا إن هذا لا يقع إلا في أقصى درجات الزلزلة . .
ولكن كان إلى جانب الزلزلة ، وزوغان الأبصار ، وكرب الأنفاس . . كان إلى جانب هذا كله الصلة التي لا تنقطع بالله؛ والإدراك الذي لا يضل عن سنن الله؛ والثقة التي لا تتزعزع بثبات هذه السنن؛ وتحقق أواخرها متى تحققت أوائلها . ومن ثم اتخذ المؤمنون من شعورهم بالزلزلة سببًا في انتظار النصر . ذلك أنهم صدقوا قول الله سبحانه من قبل: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب } وها هم أولاء يزلزلون . فنصر الله إذن منهم قريب! ومن ثم قالوا: { هذا ما وعدنا الله ورسوله . وصدق الله ورسوله } . . { وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا } . .
{ هذا ما وعدنا الله ورسوله } . . هذا الهول ، وهذا الكرب ، وهذه الزلزلة ، وهذا الضيق . وعدنا عليه النصر . . فلا بد أن يجيء النصر: { وصدق الله ورسوله } . . صدق الله ورسوله في الأمارة وصدق الله ورسوله في دلالتها . . ومن ثم اطمأنت قلوبهم لنصر الله ووعد الله: { وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا } . .