وقال الطاهر بن عاشور (1) :
{ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت لَيَقُولَنَّ الذين كفروا إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ }
يظهر أن الواو واو الحال والجملة حال من فاعل { خلَق السماوات والأرض } باعتبار ما تعلق بالفعل من قوله في { ستة أيام } ، وقوله: { ليبلوكم } ، والتقدير: فعل ذلك الخلق العجيب والحال أنهم ينكرون ما هو دون ذلك وهو إعادة خلق الناس . ويجهلون أنه لولا الجزاء لكان هذا الخلق عبثًا كما قال تعالى: { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين } [ الدخان: 38 ] . فإنْ حمل الخبر في قوله: { وهو الذي خلق السموات والأرض } على ظاهر الإخبار كانت الحال مقدّرة من فاعل { خلَق } أي خلق ذلك مقدّرًا أنكم تنكرون عظيم قدرته ، وإن حمل الخبر على أنه مستعمل في التنبيه والاعتبار بقدرة الله كانت الحال مقارنة .
ووجه جعلها جملة شرطية إفادة تجدد التكذيب عند كلّ إخبار بالبعث ، واللاّم موطّئة للقسَم ، وجواب القسَم { ليقولن } الخ ، فاللام فيه لام جواب القسم . وجواب ( إنْ ) محذوف أغنى عنه جواب القسَم كما هو الشأن عند اجتماع شرط وقسم أنْ يحذف جواب المتأخر منهما .
وتأكيد الجملة باللام الموطئة للقسم وما يتبعه من نون التوكيد لتنزيل السامع منزلة المتردد في صدور هذا القول منهم لغرابة صدوره من العاقل ، فيكون التأكيد القوي والتنزيل مستعملًا في لازم معناه وهو التعجيب من حال الذين كفروا أن يحيلوا إعادة الخلق وقد شاهدوا آثار بدء الخلق وهو أعظم وأبدع .
وقرأ الجمهور { إلاّ سحرٌ } على أنّ { هذا } إشارة إلى المدلول عليه ب ( قُلتَ ) ، ومعنى الإخبار عن القول بأنّه سحرٌ أنهم يزعمون أنّه كلام من قبيل الأقوال التي يقولها السحرة لخصائص تؤثر في النفوس .
وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف: { إلاّ ساحرٌ } فالإشارة بقوله { هذا } إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم المفهوم من ضمير { قلتَ } أي أنه يقول كلامًا يسحرنا بذلك .
ووجه جعلهم هذا القول سحرًا أن في معتقداتهم وخرافاتهم أنّ من وسائل السحر الأقوال المستحيلة والتكاذيب البهتانيّة ، والمعنى أنّهم يكذّبون بالبعث كلّما أخبروا به لا يترددون في عدم إمكان حصوله بله إيمانهم به .
و { مبين } اسم فاعل أبان المهموز الذي هو بمعنى بَانَ المجرد ، أي بَيّنٌ وَاضحٌ أنه سحر أو أنه ساحرٌ
(1) - التحرير والتنوير - (ج 7 / ص 97)