الأولى: قوله تعالى: { الذي خَلَقَ الموت والحياة } قيل: المعنى خلقكم للموت والحياة؛ يعني للموت في الدنيا والحياة في الآخرة وقدّم الموت على الحياة؛ لأن الموت إلى القهر أقرب؛ كما قدّم البنات على البنين فقال: { يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا } [ الشورى: 49 ] وقيل: قدّمه لأنه أقدم؛ لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنُّطْفَة والتراب ونحوه . وقال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الله تعالى أذلّ بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار مَوْت وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء"وعن أبي الدَّرْداء: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه الفقر والمرض والموت وإنه مع ذلك لَوَثّاب"
المسألة الثانية: { الموت والحياة } قدّم الموت على الحياة ، لأن أقوى الناس داعيًا إلى العمل مَن نَصب موته بين عينيه؛ فقدّم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهمّ قال العلماء: الموت ليس بعدم مَحْض ولا فناء صِرْف ، وإنما هو انقطاع تعلّق الروح بالبدن ومفارقته ، وحيلولةٌ بينهما ، وتبدّلُ حال وانتقالٌ من دار إلى دار . والحياة عكس ذلك . وحُكي عن ابن عباس والكَلْبي ومُقاتل: أن الموت والحياة جسمان ، فجعل الموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات ، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلْقاء وهي التي كان جبريل والأنبياء عليهم السلام يركبونها خطوتها مدّ البصر ، فوق الحمار ودون البغل ، لاتمرّ بشيء يجد ريحها إلا حَيِيَ ، ولا تطأ على شيء إلا حَيي . وهي التي أخذ السَّامِريّ من أثرها فألقاه على العجل فَحيي . حكاه الثعلبيّ والقُشَيري عن ابن عباس . والمَاوَرْدِي معناه عن مقاتل والكلبيّ .
قلت: وفي التنزيل { قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت الذي وُكِّلَ بِكُمْ } [ السجدة: 11 ] ، { وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة } [ الأنفال: 50 ] ثم { تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } [ الأنعام: 61 ] ثم قال: { الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا } [ الزمر: 42 ] فالوسائط ملائِكة مكرَّمون صلوات الله عليهم . وهو سبحانه المميت على الحقيقة ، وإنَّما يُمَثَّل الموت بالكبش في الآخرة ويذبح على الصراط؛ حسب ما ورد به الخبر الصحيح . وما ذُكر عن ابن عباس يحتاج إلى خبر صحيح يقطع العذر . والله أعلم . وعن مقاتل أيضًا: خلق الموت؛ يعني النُّطْفَة والعَلَقَة والمُضْغَة ، وخلق الحياة؛ يعني خلق إنسانًا ونفخ فيه الروح فصار إنسانًا .
قلت: وهذا قول حسن؛ يدل عليه قوله تعالى: { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } وتقدّم الكلام فيه في سورة «الكهف» . وقال السدّيّ في قوله تعالى: { الذي خَلَقَ الموت والحياة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } أي أكثركم للموت ذكرًا وأحسن استعدادًا ، ومنه أشدّ خوفًا وحذرًا . وقال ابن عمر:"تلا النبيّ صلى الله عليه وسلم { تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك } حتى بلغ { أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } فقال: «أوْرع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله» "وقيل: معنى { لِيَبْلُوَكُمْ } ليعاملكم معاملة المختبر؛ أي ليبلُوَ العبد بموت من يَعِزّ عليه ليبيّن صبره ، وبالحياة ليبيّن شكره . وقيل: خلق الله الموت للبعث والجزاء ، وخلق الحياة للآبتلاء . فاللام في { لِيَبْلُوَكُمْ } تتعلق بخلق الحياة لا بخلق الموت؛ ذكره الزجاج . وقال الفرّاء والزجاج أيضًا: لم تقع البَلْوَى على «أيّ» لأن فيما بين البلوى و «أيّ» إضمار فعل؛ كما تقول: بلوتكم لأنظر أيّكم أطوع . ومثله قوله تعالى: { سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ } [ القلم: 40 ] أي سلهم ثم انظر أيهم . ف «أيُّكم» رفع بالابتداء و «أَحْسَنُ» خبره . والمعنى: ليبلوكم فيعلم أو فينظر ( أيكم ) أحسن عملا . { وَهُوَ العزيز } في انتقامه ممن عصاه . { الغفور } لمن تاب .
وفي التفسير الوسيط (1) :
الموت: صفة وجودية تضاد الحياة: والمراد بخلقه: إيجاده . أو هو عدم الحياة عما هى من شأنه . والمراد بخلقه على هذا المعنى: تقديره أزلا .
واللام في قوله: { لِيَبْلُوَكُمْ . . . } متعلقة بقوله: { خَلَقَ } وقوله: { لِيَبْلُوَكُمْ } بمعنى يختبركم ويمتحنكم . . .
وقوله { أَيُّكُمْ } مبتدأ ، و { أَحْسَنُ } خبره ، و { عَمَلًا } تمييز ، والجملة في محل نصب مفعول ثان لقوله { لِيَبْلُوَكُمْ } .
والمعنى: ومن مظاهر قدرته - سبحانه - التى لا يعجزها شئ ، أنه خلق الموت لمن يشاء إماتته ، وخلق الحياة لمن يشاء إحياءه ، ليعاملكم معاملة من يختبركم ويمتحنكم ، أيكم أحسن عملا في الحياة ، لكى يجازيكم بما تستحقونه من ثواب . .
أو المعنى: خلق الموت والحياة ، ليختبركم أيكم أكثر استعدادا للموت ، وأسرع إلى طاعة ربه - عز وجل - .قال القرطبى ما ملخصه: قوله: { الذي خَلَقَ الموت والحياة } . . قيل: الذى خلقكم للموت والحياة ، يعنى: للموت في الدنيا والحياة في الآخرة .
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 4264)