فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 1236

وفيه استدلال على الوحدانية بدلالة في أنفسهم قال تعالى: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } [ الذاريات: 21 ] .

والمعنى: أنه خلق الموت والحياة ليكون منكم أحياء يعملون الصالحات والسيئات ، ثم أمواتًا يَخلُصون إلى يوم الجزاء فيجزون على أعمالهم بما يناسبها .

فالتعريف في { الموتَ } و { والحياة } تعريف الجنس . وفي الكلام تقديرُ: هو الذي خلق الموت والحياة لتحيَوا فيبلوكم أيكم أحسن عملًا ، وتموتوا فتُجزوا على حسب تلك البلوى ، ولكون هذا هو المقصود الأهم من هذا الكلام قدم الموت على الحياة .

وجملة { ليبلوكم } إلى آخرها معترضة بين الموصولين .

واللام في { ليبلوكم } لام التعليل ، أي في خلق الموت والحياة حكمة أن يبلوكم . الخ .

وتعليل فعل بعلةٍ لا يقتضي انحصار علله في العلة المذكورة فإن الفعل الواحد تكون له علل متعددة فيذكر منها ما يستدعيه المقامَ ، فقوله تعالى: { ليبلوكم أيكم أحسن عملًا } تعليلٌ لفعل { خَلَقَ } باعتبار المعطوف على مفعوله ، وهو { والحياة } لأن حياة الإِنسان حياة خاصة تصحح للموصوف بمن قامت به الإدراك الخاص الذي يندفع به إلى العمل باختياره ، وذلك العمل هو الذي يوصف بالحسن والقبح ، وهو ما دل عليه بالمنطوق والمفهوم قوله تعالى: { أيكم أحسن عملًا } أي وأيكم أقبح عملًا .

ولذلك فذكر خلق الموت إتمام للاستدلال على دقيق الصنع الإلهي وهو المسوق له الكلام ، وذكِر خلق الحياة إدماج للتذكير ، وهو من أغراض السورة .

ولا أشك في أن بناء هذا العالم على ناموس الموت والحياة له حكمة عظيمة يعسر على الأفهام الاطلاع عليها .

والبلوى: الاختبار وهي هنا مستعارة للعلم ، أي ليعلم علم ظَهورٍ أو مستعارةٌ لإظهار الأمر الخفي ، فجعل إظهار الشيء الخفي شبيهًا بالاختبار .

وجملة { أيكم أحسن عملًا } مرتبطة ب { يبلوكم } .

و ( أيُّ ) اسم استفهام ورفعه يعيّن أنه مبتدأ وأنه غير معمول للفظٍ قبله فوجب بيان موقع هذه الجملة ، وفيه وجهان:

أحدهما قول الفراء والزجاج والزمخشري في تفسير أول سورة هود أن جملة الاستفهام سادة مَسدَّ المفعول الثاني ، وأن فعل { يبلوكم } المضمن معنى ( يَعْلَمكم ) معلق عن العمل في المفعول الثاني ، وليس وجود المفعول الأول مانعًا من تعليق الفعل عن العمل في المفعول الثاني وإن لم يكن كثيرًا في الكلام .

الوجه الثاني أن تكون الجملة واقعة في محل المفعول الثاني { ليبلوكم } أي تؤول الجملة بمعنى مفردٍ تقديره: ليعلمكم أهذا الفريق أحسنُ عملًا أم الفريقُ الآخر .

وهذا مختار صاحب «الكشاف» في تفسير هذه الآية . ومبناه على أن تعليق أفعال العلم عن العمل لا يستقيم إلاّ إذا لم يذكر للفعل مفعول فإذا ذكر مفعول لم يصح تعليق الفعل عن المفعول الثاني ، وحاصله: أن التقدير ليَعلم الذين يقال في حقهم { أيهم أحسن عملًا } على نحو قوله تعالى: { ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشدُّ على الرحمان عتيًا } [ مريم: 69 ] أي: لنَنْزِعَنّ الذين يقال فيهم: أيهم أشد .

وجوز صاحب «التقريب» أن يكون التقدير: ليعلم جواب سؤال سائلٍ: أيكُم أحسنُ عملًا .

قلت: ولك أن تجعل جملة: { أيكم أحسن عملًا } مستأنفة وتجعلَ الوقف على قوله: { ليبلوكم } ويكون الاستفهام مستعملًا في التحْضيض على حُسن العمل كما هو في قول طرفة:

إذا القوم قالوا مَن فتًى خلتُ أنني ... عُنيت فلم أكسل ولَم أتبلَّد

فجعل الاستفهام تحضيضًا .

و { أحسن } تفضيل ، أي أحسن عملًا من غيره ، فالأعمال الحسنة متفاوتة في الحسن إلى أدناها ، فأما الأعمال السيئة فإنها مفهومة بدلالة الفحوى لأن البلوى في أحسن الأعمال تقتضي البلوى في السيئات بالأوْلى لأن إحصاءها والإِحاطة بها أولى في الجزاء لما يترتب عليها من الاجتراء على الشارع ، ومن الفساد في النفس ، وفي نظام العالم ، وذلك أولى بالعقاب عليه ففي قوله: { ليبلوكم أيكم أحسن عملًا } إيجاز .

وجملة: { وهو العزيز الغفور } تذييل لجملة: { ليبلوكم أيكم أحسن عملًا } إشارة إلى أن صفاته تعالى تقتضي تعلقًا بمتعلقاتها لئلا تكون معطلة في بعض الأحوال والأزمان فيفضي ذلك إلى نقائضها ، فأما { العزيز } فهو الغالب الذي لا يعجز عن شيء ، وذكره مناسب للجزاء المستفاد من قوله: { ليبلوكم أيكم أحسن عملًا } كما تقدم آنفًا ، أي ليجزيكم جزاء العزيز ، فعلم أن المراد الجزاء على المخالفات والنكول عن الطاعة . وهذا حظ المشركين الذين شملهم ضمير الخطاب في قوله { ليبلوكم } .

وأما { الغفور } فهو الذي يكرم أولياءه ويصفح عن فلتاتهم فهو مناسب للجزاء على الطاعات وكناية عنه ، قال تعالى: { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى } [ طه: 82 ] فهو إشارة إلى حظ أهل الصلاح من المخاطبين .

وقال السيد رحمه الله (1) :

(1) - في ظلال القرآن - (ج 7 / ص 263)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت