فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 1236

ولم يكن إسحاق ابنًا وحيدًا لإِبراهيم فإن إسماعيل وُلد قبله بثلاث عشرة سنة . ولم يزل إبراهيم وإسماعيل متواصلين وقد ذكر في الإِصحاح الخامس والعشرين من سفر التكوين عند ذكر موت إبراهيم عليه السلام «ودفَنه إسحاق وإسماعيلُ ابناه» ، فإقحام اسم إسحاق بعد قوله: ابنَك وحيدَك ، من زيادة كاتب التوراة .

الدليل السابع: قال صاحب «الكشاف» : ويدل عليه أن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدي بنِي إسماعيل إلى أن احترق البيت في حصار ابن الزبير ا . ه . وقال القرطبي عن ابن عباس: والذي نفسي بيده لقد كان أول الإِسلام وأن رأس الكبش لمعلق بقرنيه من ميزاب الكعبة وقد يبس . قلت: وفي صحة كون ذلك الرأس رأسَ كبش الفداء من زمن إبراهيم نظر .

الدليل الثامن: أنه وردت روايات في حكمة تشريع الرمي في الجمرات من عهد الحنيفية أن الشيطان تعرض لإِبراهيم ليصدّه عن المضيّ في ذبح ولده وذلك من مناسك الحجّ لأهل مكة ولم تكن لليهود سُنَّة ذبح معين .

وذكر القرطبي عن ابن عباس: أن الشيطان عرض لإِبراهيم عند الجمرات ثلاث مرات فرجمه في كل مرة بحصيات حتى ذهب من عند الجمرة الأخرى . وعنه: أن موضع معالجة الذبح كان عند الجمار وقيل عند الصخرة التي في أصل جبل ثبير بمنى .

الدليل التاسع: أن القرآن صريح في أن الله لمّا بشر إبراهيم بإسحاق قرن تلك البشارة بأنه يولد لإِسحاق يعقوب ، قال تعالى: { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } [ هود: 71 ] وكان ذلك بمحضر إبراهيم فلو ابتلاه الله بذبح إسحاق لكان الابتلاء صوريًا لأنه واثق بأن إسحاق يعيش حتى يولد له يعقوب لأن الله لا يخلف الميعاد . ولمّا بشره بإسماعيل لم يَعِدْه بأنه سيُولد له وما ذلك إلا توطئة لابتلائه بذبحه فقد كان إبراهيم يدعو لحياة ابنه إسماعيل . فقد جاء في «سفر التكوين» الإِصحاح السابع عشر «وقال إبراهيم لله: ليت إسماعيل يعيش أمامك فقال الله: بل سارة تلد لك ابنًا وتدعو اسمه إسحاق وأقيم عهدي معه عهدًا أبديًا لنسله من بعده» . ويظهر أن هذا وقع بعد الابتلاء بذبحه .

الدليل العاشر: أنه لو كان المراد بالغلام الحليم إسحاق لكان قوله تعالى بعد هذا: { وبشرناه بإسحاق نبيئًا من الصالِحينَ } [ الصافات: 112 ] تكريرًا لأن فعل: بشرناه بفلان ، غالب في معنى التبشير بالوجود .

واختلف علماء السلف في تعيين الذبيح فقال جماعة من الصحابة والتابعين: هو إسماعيل وممن قاله أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة وعبد الله بن عُمر وابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان . وقاله من التابعين سعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد وعلقمة والكلبي والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القُرظي وأحمد بن حنبل .

وقال جماعة: هو إسحاق ونقل عن ابن مسعود والعباس بن عبد المطلب وجابر بن عبد الله وعمر وعلي من الصحابة ، وقاله جمع من التابعين منهم: عطاء وعكرمة والزهري والسّدِّي . وفي «جامع العتبية» أنه قول مالك بن أنس .

فإن قلت: فعلامَ جنحتَ إليه واستَدللت عليه من اختيارك أن يكون لابتلاء بذبح إسماعيل دون إسحاق ، فكيف تتأول ما وقع في «سفر التكوين» ؟

قلت: أرى أن ما في «سفر التكوين» نُقِل مشتّتًا غير مرتبة فيه أزمان الحوادث بضبط يعين الزمن بين الذبح وبين أخبار إبراهيم ، فلما نقَل النقلةُ التوراة بعد ذهاب أصلها عقب أسر بني إسرائيل في بلاد أشور زمن بختنصر ، سجلت قضية الذبيح في جملة أحوال إبراهيم عليه السلام وأدمج فيها ما اعتقده بنو إسرائيل في غربتهم من ظنهم الذبيح إسحاق . ويدل لذلك قول الإِصحاح الثاني والعشرين «وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم فقال خذ ابنك وحيدك» الخ؛ فهل المراد من قولها: بعد هذه الأمور ، بعد جميع الأمور المتقدمة أو بعد بعض ما تقدم .

القول في { وتركنا عليه في الآخرينَ } نظير الكلام المتقدم في ذكر نوح عليه السلام في هذه السورة وإعادته هنا تأكيد لما سبق لزيادة التنويه بإبراهيم عليه السلام .

ويَرد أن يقال: لماذا لم تؤكد جملة { كذلك نَجزي المحسنين } ب ( إنَّ ) هنا وأكدت مع ذكر نوح وفيما تقدم من ذكر إبراهيم . وأشار في «الكشاف» أنه لما تقدم في هذه القصة قوله: { إنَّا كذلك نجزي المحسنين } [ الصافات: 80 ] وكان إبراهيم هو المجزيّ اكُتفي بتأكيد نظيره عن تأكيده ، أي لأنه بالتأكيد الأول حصل الاهتمام فلم يبق داع لإِعادته .

واقتصر على تأكيد معنى الجملة تأكيدًا لفظيًا لأنه تقرير للعناية بجزائه على إحسانه . ولم يذكر هنا { في العالمين } [ الصافات: 79 ] لأن إبراهيم لا يعرفه جميع الأمم من البشر بخلاف نوح عليه السلام كما تقدم في قصته .

وقال السيد رحمه الله (1) :

{ فبشرناه بغلام حليم } . .

هو إسماعيل كما يرجح سياق السيرة والسورة وسنرى آثار حلمه الذي وصفه ربه به وهو غلام . ولنا أن نتصور فرحة إبراهيم الوحيد المفرد المهاجر المقطوع من أهله وقرابته . لنا أن نتصور فرحته بهذا الغلام ، الذي يصفه ربه بأنه حليم .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 6 / ص 188)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت