فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 1236

والآن آن أن نطلع على الموقف العظيم الكريم الفريد في حياة إبراهيم . بل في حياة البشر أجمعين . وآن أن نقف من سياق القصة في القرآن أمام المثل الموحي الذي يعرضه الله للأمة المسلمة من حياة أبيها إبراهيم . .

{ فلما بلغ معه السعي . قال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ، فانظر ماذا ترى . قال: يا أبت افعل ما تؤمر: ستجدني إن شاء الله من الصابرين } . .

يالله! ويالروعة الإيمان والطاعة والتسليم . .

هذا إبراهيم الشيخ . المقطوع من الأهل والقرابة . المهاجر من الأرض والوطن . ها هو ذا يرزق في كبرته وهرمه بغلام . طالما تطلع إليه . فلما جاءه جاء غلامًا ممتازًا يشهد له ربه بأنه حليم . وها هو ذا ما يكاد يأنس به ، وصباه يتفتح ، ويبلغ معه السعي ، ويرافقه في الحياة . . ها هو ذا ما يكاد يأنس ويستروح بهذا الغلام الوحيد ، حتى يرى في منامه أنه يذبحه . ويدرك أنها إشارة من ربه بالتضحية . فماذا؟ إنه لا يتردد ، ولا يخالجه إلا شعور الطاعة ، ولا يخطر له إلا خاطر التسليم . . نعم إنها إشارة . مجرد إشارة . وليست وحيًا صريحًا ، ولا أمرًا مباشرًا . ولكنها إشارة من ربه . . وهذا يكفي . . هذا يكفي ليلبي ويستجيب . ودون أن يعترض . ودون أن يسأل ربه . . لماذا يا ربي أذبح ابني الوحيد؟!

ولكنه لا يلبي في انزعاج ، ولا يستسلم في جزع ، ولا يطيع في اضطراب . . كلا إنما هو القبول والرضى والطمأنينة والهدوء . يبدو ذلك في كلماته لابنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء وفي اطمئنان عجيب:

{ قال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك . فانظر ماذا ترى } .

فهي كلمات المالك لأعصابه ، المطمئن للأمر الذي يواجهه ، الواثق بأنه يؤدي واجبه . وهي في الوقت ذاته كلمات المؤمن ، الذي لا يهوله الأمر فيؤديه ، في اندفاع وعجلة ليخلص منه وينتهي ، ويستريح من ثقله على أعصابه!

والأمر شاق ما في ذلك شك فهو لا يطلب إليه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة . ولا يطلب إليه أن يكلفه أمرًا تنتهي به حياته . . إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده . يتولى ماذا؟ يتولى ذبحه . . وهو مع هذا يتلقى الأمر هذا التلقي ، ويعرض على ابنه هذا العرض؛ ويطلب إليه أن يتروى في أمره ، وأن يرى فيه رأيه!

إنه لا يأخذ ابنه على غرة لينفذ إشارة ربه .وينتهي . إنما يعرض الأمر عليه كالذي يعرض المألوف من الأمر . فالأمر في حسه هكذا . ربه يريد . فليكن ما يريد . على العين والرأس . وابنه ينبغي أن يعرف . وأن يأخذ الأمر طاعة وإسلامًا ، لا قهرًا واضطرارًا . لينال هو الآخر أجر الطاعة ، وليسلم هو الآخر ويتذوق حلاوة التسليم!

إنه يحب لابنه أن يتذوق لذة التطوع التي ذاقها؛ وأن ينال الخير الذي يراه هو أبقى من الحياة وأقنى . .

فماذا يكون من أمر الغلام ، الذي يعرض عليه الذبح ، تصديقًا لرؤيا رآها أبوه؟

إنه يرتقي إلى الأفق الذي ارتقى إليه من قبل أبوه:

{ قال: يا أبت افعل ما تؤمر . ستجدني إن شاء الله من الصابرين } . .

إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب . ولكن في رضى كذلك وفي يقين . .

{ يا أبت } . . في مودة وقربى . فشبح الذبح لا يزعجه ولا يفزعه ولا يفقده رشده . بل لا يفقده أدبه ومودته .

{ افعل ما تؤمر } . . فهو يحس ما أحسه من قبل قلب أبيه . يحس أن الرؤيا إشارة . وأن الإشارة أمر . وأنها تكفي لكي يلبي وينفذ بغير لجلجة ولا تمحل ولا ارتياب .

ثم هو الأدب مع الله ، ومعرفة حدود قدرته وطاقته في الاحتمال؛ والاستعانة بربه على ضعفه ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية ، ومساعدته على الطاعة:

{ ستجدني إن شاء الله من الصابرين } . .

ولم يأخذها بطولة . ولم يأخذها شجاعة . ولم يأخذها اندفاعًا إلى الخطر دون مبالاة . ولم يظهر لشخصه ظلًا ولا حجمًا ولا وزنًا . . إنما أرجع الفضل كله لله إن هو أعانه على ما يطلب إليه ، وأصبره على ما يراد به: { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } . .

يا للأدب مع الله! ويالروعة الإيمان . ويالنبل الطاعة . ويالعظمة التسليم!

ويخطو المشهد خطوة أخرى وراء الحوار والكلام . . يخطو إلى التنفيذ:

{ فلما أسلما وتله للجبين } . .

ومرة أخرى يرتفع نبل الطاعة . وعظمة الإيمان . وطمأنينة الرضى وراء كل ما تعارف عليه بنو الإنسان . . إن الرجل يمضي فيكب ابنه على جبينه استعدادًا . وإن الغلام يستسلم فلا يتحرك امتناعًا . وقد وصل الأمر إلى أن يكون عيانًا .

لقد أسلما . . فهذا هو الإسلام . هذا هو الإسلام في حقيقته . ثقة وطاعة وطمأنينة ورضى وتسليم . . وتنفيذ . . وكلاهما لا يجد في نفسه إلا هذه المشاعر التي لا يصنعها غير الإيمان العظيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت