والفَاء في قوله: { فأخذناهم } للتعقيب عن قوله: { عَفَوْا } ، و { قالوا } ، باعتبار كونهما غاية لإبدال الحسنة مكان السيئة ، ولا إشعار فيه بأن قولهم ذلك هو سبب أخذهم بغتة ولكنه دل على إصرارهم ، أي: فحصل أخذنا إياهم عقب تحسن حالهم وبَطرهم النعمة .
والتعقيب عرفي فيصدق بالمدة التي لا تعد طولًا في العادة لحصول مثل هذه الحوادث العظيمة .
والأخذ هنا بمعنى الإهلاك كما في قوله تعالى: { أخذهم بغتة فإذا هم مبلسون } في سورة الأنعام ( 44 ) .
والبغتة: الفجْأة ، وتقدمت عند قوله تعالى: { حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة } [ الأنعام: 31 ] ، وفي قوله: { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة } في سورة الأنعام ( 44 ) ، وتقدم هنالك وجه نصبها .
وجملة: وهم لا يشعرون حال مؤكدة لمعنى { بغتة } .
وقال السيد رحمه الله (1) :
إن السياق القرآني هنا لا يروي حادثة ، إنما يكشف عن سنة . ولا يعرض سيرة قوم إنما يعلن عن خطوات قدر . . ومن ثم يتكشف أن هناك ناموسًا تجري عليه الأمور؛ وتتم وفقه الأحداث؛ ويتحرك به تاريخ « الإنسان » في هذه الأرض .وأن الرسالة ذاتها - على عظم قدرها - هي وسيلة من وسائل تحقيق الناموس - وهو أكبر من الرسالة وأشمل - وأن الأمور لا تمضي جزافًا؛ وأن الإنسان لا يقوم وحده في هذه الأرض - كما يزعم الملحدون بالله في هذا الزمان! - وأن كل ما يقع في هذا الكون إنما يقع عن تدبير ، ويصدر عن حكمة ، ويتجه إلى غاية . وأن هنالك في النهاية سنة ماضية وفق المشيئة الطليقة؛ التي وضعت السنة ، وارتضت الناموس . .
ووفقًا لسنة الله الجارية وفق مشيئته الطليقة كان من أمر تلك القرى ما كان ، مما حكاه السياق . ويكون من أمر غيرها ما يكون!
إن إرادة الإنسان وحركته - في التصور الإسلامي - عامل مهم في حركة تاريخه وفي تفسير هذا التاريخ أيضًا . ولكن إرادة الإنسان وحركته إنما يقعان في إطار من مشيئة الله الطليقة وقدره الفاعل . . والله بكل شيء محيط . . وإرادة الإنسان وحركته - في إطار المشيئة الطليقة والقدر الفاعل - يتعاملان مع الوجود كله؛ ويتأثران ويؤثران في هذا الوجود أيضًا . . فهناك زحمة من العوامل والعوالم المحركة للتاريخ الإنساني؛ وهناك سعة وعمق في مجال هذه الحركة؛ مما يبدو إلى جانبه « التفسير الاقتصادي للتاريخ » ، و « التفسير البيولوجي للتاريخ » ، و « التفسير الجغرافي للتاريخ » . . . بقعًا صغيرة في الرقعة الكبيرة . وعبثًا صغيرًا من عبث الإنسان الصغير! .
{ وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون } . .
فليس للعبث - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - يأخذ الله عباده بالشدة في أنفسهم وأبدانهم وأرزاقهم وأموالهم . وليس لإرواء غلة ولا شفاء إحنة - كما كانت أساطير الوثنيات تقول عن آلهتها العابثة الحاقدة! إنما يأخذ الله المكذبين برسله بالبأساء والضراء ، لأن من طبيعة الابتلاء بالشدة أن يوقظ الفطرة التي ما يزال فيها خير يرجى؛ وأن يرقق القلوب التي طال عليها الأمد متى كانت فيها بقية؛ وأن يتجه بالبشر الضعاف إلى خالقهم القهار؛ يتضرعون إليه؛ ويطلبون رحمته وعفوه؛ ويعلنون بهذا التضرع عن عبوديتهم له - والعبودية لله غاية الوجود الإنساني - وما بالله سبحانه من حاجة إلى تضرع العباد وإعلان العبودية: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } ولو اجتمع الإنس والجن - على قلب رجل واحد - على طاعة الله ما زاد هذا في ملكه شيئًا . ولو اجتمع الإنس والجن - على قلب رجل واحد - على معصيته - سبحانه - ما نقصوا في ملكه شيئًا ( كما جاء في الحديث القدسي ) .. ولكن تضرع العباد وإعلان عبوديتهم لله إنما يصلحهم هم؛ ويصلح حياتهم ومعاشهم كذلك . . فمتى أعلن الناس عبوديتهم لله تحرروا من العبودية لسواه . . تحرروا من العبودية للشيطان الذي يريد ليغويهم - كما جاء في أوائل السورة - وتحرروا من شهواتهم وأهوائهم . وتحرروا من العبودية للعبيد من أمثالهم؛ واستحيوا أن يتبعوا خطوات الشيطان؛ واستحيوا أن يغضبوا الله بعمل أو نية يتجهون إليه في الشدة ويتضرعون ، واستقاموا على الطريقة التي تحررهم وتطهرهم وتزكيهم ، وترفعهم من العبودية للهوى والعبودية للعبيد!
لذلك اقتضت مشيئة الله أن يأخذ أهل كل قرية يرسل إليها نبيًا فتكذبه ، بالبأساء في أنفسهم وأرواحهم ، وبالضراء في أبدانهم وأموالهم . استحياء لقلوبهم بالألم . والألم خير مهذب ، وخير مفجر لينابيع الخير المستكنة ، وخير مرهف للحساسية في الضمائر الحية ، وخير موجه إلى ظلال الرحمة التي تنسم على الضعاف المكروبين نسمات الراحة والعافية في ساعات العسرة والضيق . . { لعلهم يضرعون } . .
{ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة } . .
(1) - في ظلال القرآن - (ج 3 / ص 257)