فإذا الرخاء مكان الشدة ، واليسر مكان العسر ، والنعمة مكان الشظف ، والعافية مكان الضر ، والذرية مكان العقر ، والكثرة مكان القلة ، والأمن مكان الخوف . وإذا هو متاع ورخاء ، وهينة ونعماء ، وكثرة وامتلاء . . وإنما هو في الحقيقة اختبار وابتلاء . .
والابتلاء بالشدة قد يصبر عليه الكثيرون ، ويحتمل مشقاته الكثيرون . فالشدة تستثير عناصر المقاومة . وقد تذكر صاحبها بالله - إن كان فيه خير - فيتجه إليه ويتضرع بين يديه ، ويجد في ظله طمأنينة ، وفي رحابه فسحه ، وفي فرَجه أملًا ، وفي وعده بشرى . . فأما الابتلاء بالرخاء فالذين يصبرون عليه قليلون . فالرخاء ينسي ، والمتاع يلهي ، والثراء يطغي . فلا يصبر عليه إلا الأقلون من عباد الله .
{ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ، وقالوا: قد مس آباءنا الضراء والسراء } . .
أي حتى كثروا وانتشروا ، واستسهلوا العيش ، واستيسروا الحياة: ولم يعودوا يجدون في أنفسهم تحرجًا من شيء يعملونه ، ولا تخوفًا من أمر يصنعونه . . والتعبير: { عفوا } - إلى جانب دلالته على الكثرة - يوحي بحالة نفسية خاصة: حالة قلة المبالاة . حالة الاستخفاف والاستهتار . حالة استسهال كل أمر ، واتباع عفو الخاطر في الشعور والسلوك سواء . . وهي حالة مشاهدة في أهل الرخاء واليسار والنعمة ، حين يطول بهم العهد في اليسار والنعمة والرخاء - أفرادًا وأممًا - كأن حساسية نفوسهم قد ترهلت فلم تعد تحفل شيئًا ، أو تحسب حسابًا لشيء . فهم ينفقون في يسر ويلتذون في يسر ، ويلهون في يسر ، ويبطشون كذلك في استهتار! ويقترفون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان ويرتعش لها الوجدان ، في يسر واطمئنان! وهم لا يتقون غضب الله ، ولا لوم الناس ، فكل شيء يصدر منهم عفوًا بلا تحرج ولا مبالاة . وهم لا يفطنون لسنة الله في الكون ، ولا يتدبرون اختباراته وابتلاءاته للناس . ومن ثم يحسبونها تمضي هكذا جزافًا ، بلا سبب معلوم ، وبلا قصد مرسوم: { وقالوا: قد مس آباءنا الضراء والسراء } . .
وقد أخذ دورنا في الضراء وجاء دورنا في السراء! وها هي ذي ماضية بلا عاقبة ، فهي تمضي هكذا خبط عشواء!
عندئذ . . وفي ساعة الغفلة السادرة ، وثمرة للنسيان واللهو والطغيان ، تجيء العاقبة وفق السنة الجارية:
{ فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } . .
جزاء بما نسوا واغتروا وبعدوا عن الله؛ وأطلقوا لشهواتهم العنان ، فما عادوا يتحرجون من فعل ، وما عادت التقوى تخطر لهم ببال!
هكذا تمضي سنة الله أبدًا . وفق مشيئته في عباده . وهكذا يتحرك التاريخ الإنساني بإرادة الإنسان وعمله - في إطار سنة الله ومشيئته - وها هو ذا القرآن الكريم يكشف للناس عن السنة؛ ويحذرهم الفتنة . . فتنة الاختبار والابتلاء بالضراء والسراء . . وينبه فيهم دواعي الحرص واليقظة ، واتقاء العاقبة التي لا تتخلف ، جزاء وفاقًا على اتجاههم وكسبهم . فمن لم يتيقظ ، ومن لم يتحرج ، ومن لم يتق ، فهو الذي يظلم نفسه ، ويعرضها لبأس الله الذي لا يرد . ولن تظلم نفس شيئًا .
وقال السعدي (1) :
يقول تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ } يدعوهم إلى عبادة اللّه، وينهاهم عن ما هم فيه من الشر، فلم ينقادوا له: إلا ابتلاهم الله { بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ } أي: بالفقر والمرض وأنواع البلايا { لَعَلَّهُمْ } إذا أصابتهم، أخضعت نفوسهم فتضرعوا إلى الله واستكانوا للحق.
{ ثُمَّ } إذا لم يفد فيهم، واستمر استكبارهم، وازداد طغيانهم.
{ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ } فَأدَرَّ عليهم الأرزاق، وعافى أبدانهم، ورفع عنهم البلاء { حَتَّى عَفَوْا } أي: كثروا، وكثرت أرزاقهم وانبسطوا في نعمة اللّه وفضله، ونسوا ما مر عليهم من البلاء. { وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ } أي: هذه عادة جارية لم تزل موجودة في الأولين واللاحقين، تارة [ ص 298 ] يكونون في سراء وتارة في ضراء، وتارة في فرح، ومرة في ترح، على حسب تقلبات الزمان وتداول الأيام، وحسبوا أنها ليست للموعظة والتذكير، ولا للاستدراج والنكير حتى إذا اغتبطوا، وفرحوا بما أوتوا، وكانت الدنيا، أسر ما كانت إليهم، أخذناهم بالعذاب { بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } أي: لا يخطر لهم الهلاك على بال، وظنوا أنهم قادرون على ما آتاهم اللّه، وأنهم غير زائلين ولا منتقلين عنه.
(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 297)