أما قوله تعالى: { فاستجبنا لَهُ } فإنه يدل على أنه دعا ربه ، لكن هذا الدعاء قد يجوز أن يكون واقعًا منه على سبيل التعريض ، كما يقال إن رأيت أو أردت أو أحببت فافعل كذا . ويجوز أن يكون على سبيل التصريح وإن كان الأليق بالأدب وبدلالة الآية هو الأول ، ثم إنه سبحانه بين أن كشف ما به من ضر وذلك يقتضي إعادته إلى ما كان في بدنه وأحواله ، وبين الله تعالى أنه آتاه أهله ويدخل فيه من ينسب إليه من زوجة وولد وغيرهما ثم فيه قولان: أحدهما: وهو قول ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومقاتل والكلبي وكعب رضي الله عنهم أن الله تعالى أحيا له أهله يعني أولاده بأعيانهم . والثاني: روى الليث رضي الله عنه ، قال: أرسل مجاهد إلى عكرمة وسأله عن الآية فقال: قيل له إن أهلك لك في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا ، وإن شئت كانوا لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا . فقال: يكونون لي في الآخرة وأوتي مثلهم في الدنيا . والقول الأول أولى لأن قوله: { وآتيناه أهله } يدل بظاهره على أنه تعالى أعادهم في الدنيا وأعطاه معهم مثلهم أيضًا .
وأما قوله تعالى: { وذكرى للعابدين } ففيه دلالة على أنه تعالى فعل ذلك لكي يتفكر فيه فيكون داعية للعابدين في الصبر والإحتساب ، وإنما خص العابدين بالذكر [ ى ] لأنهم يختصون بالانتفاع بذلك .
وقال القرطبي (1) :
وذكر الحديث . وقول سابع عشر: سمعته ولم أقف عليه أن دودة سقطت من جسده فطلبها ليردّها إلى موضعها فلم يجدها فقال: «مَسَّنِيَ الضُّرُّ» لما فقد من أجر ألم تلك الدودة ، وكان أراد أن يبقى له الأجر موفرًا إلى وقت العافية ، وهذا حسن إلا أنه يحتاج إلى سند . قال العلماء: ولم يكن قوله «مَسَّنِيَ الضُّرُّ» جزعا؛ لأن الله تعالى قال: { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا } [ ص: 44 ] بل كان ذلك دعاء منه ، والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلى الله تعالى ، والدعاء لا ينافي الرضا . قال الثعلبي: سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول؛ حضرت مجلسًا غاصًا بالفقهاء والأدباء في دار السلطان ، فسئلت عن هذه الآية بعد إجماعهم على أن قول أيوب كان شكاية وقد قال الله تعالى؛ { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا } [ ص: 44 ] فقلت: ليس هذا شكاية وإنما كان دعاء؛ بيانه { فاستجبنا لَهُ } والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء . فاستحسنوه وارتضوه . وسئل الجنيد عن هذه الآية فقال: عرّفه فاقة السؤال ليمنّ عليه بكرم النّوال .
قوله تعالى: { فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ } قال مجاهد وعكرمة قيل لأيوب صلى الله عليه وسلم: قد آتيناك أهلك في الجنة فإن شئت تركناهم لك في الجنة وإن شئت آتيناكهم في الدنيا . قال مجاهد: فتركهم الله عز وجل له في الجنة وأعطاه مثلهم في الدنيا . قال النحاس: والإسناد عنهما بذلك صحيح .
قلت: وحكاه المهدوي عن ابن عباس . وقال الضحاك: قال عبد الله بن مسعود كان أهل أيوب قد ماتوا إلا امرأته فأحياهم الله عز وجل في أقل من طرف البصر ، وآتاه مثلهم معهم . وعن ابن عباس أيضًا: كان بنوه قد ماتوا فأحيوا له وولد له مثلهم معهم . وقاله قتادة وكعب الأحبار والكلبي وغيرهم . قال ابن مسعود: مات أولاده وهم سبعة من الذكور وسبعة من الإناث فلما عوفي نشروا له ، وولدت له امرأته سبعة بنين وسبع بنات . قال الثعلبي: وهذا القول أشبه بظاهر الآية .
قلت: لأنهم ماتوا ابتلاء قبل آجالهم حسب ما تقدم بيانه في سورة «البقرة» في قصة { الذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت } [ البقرة: 243 ] . وفي قصة السبعين الذين أخذتهم الصعقة فماتوا ثم أُحيوا؛ وذلك أنهم ماتوا قبل آجالهم ، وكذلك هنا والله أعلم .
(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 3682)