فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 1236

وعلى قول مجاهد وعكرمة يكون المعنى: { وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ } في الآخرة { وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ } في الدنيا . وفي الخبر: إن الله بعث إليه جبريل عليه السلام حين ركض برجله على الأرض ركضة فظهرت عين ماء حار ، وأخذ بيده ونفضه نفضة فتناثرت عنه الديدان ، وغَاص في الماء غوصة فنبت لحمه وعاد إلى منزله ، ورد الله عليه أهله ومثلهم معهم ، ونشأت سحابة على قدر قواعد داره فأمطرت ثلاثة أيام بلياليها جرادًا من ذهب . فقال له جبريل: أشبعت؟ فقال: ومن يشبع من فضل الله! فأوحى الله إليه: قد أثنيت عليك بالصبر قبل وقوعك في البلاء وبعده ، ولولا أني وضعت تحت كل شعرة منك صبرًا ما صبرت . { رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا } أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا . وقيل: ابتليناه ليعظم ثوابه غدًا . { وذكرى لِلْعَابِدِينَ } أي وتذكيرًا للعباد؛ لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب وصبره عليه ومحنته له وهو أفضل أهل زمانه وطنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا نحو ما فعل أيوب ، فيكون هذا تنبيهًا لهم على إدامة العبادة ، واحتمال الضرر . واختلف في مدة إقامته في البلاء؛ فقال ابن عباس: كانت مدّة البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ليال . وهب: ثلاثين سنة . الحسن: سبع سنين وستة أشهر . قلت: وأصح من هذا والله أعلم ثماني عشرة سنة؛ رواه ابن شهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ذكره ابن المبارك وقد تقدّم .

وفي التفسير الوسيط (1) :

قال ابن كثير:"يذكر الله - تعالى - عن أيوب - عليه السلام - ما كان قد أصابه من البلاء في ماله وولده وجسده ، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شىء كثير ، وأولاد كثيرون ، ومنازل مرضية . فابتلى في ذلك كله ، وذهب عن آخره ، ثم ابتلى في جسده . . ولم يبقى من الناس أحد يحنو عليه سوى زوجته . . . وقد كان نبى الله أيوب غاية في الصبر ، وبه يضرب المثل في ذلك ."

وقال الآلوسى: وهو ابن أموص بن رزاح بن عيص بن إسحاق . وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط ، وأن أباه ممن آمن بإبراهيم فعلى هذا كانت بعثته قبل موسى وهارون . وقيل: بعد شعيب ، وقيل: بعد سليمان . ."."

والضر - بالفتح - يطلق على كل ضرر - وبالضم - خاص بما يصيب الإنسان في نفسه من مرض وأذى وما يشبههما .

والمعنى: واذكر - أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب - عبدنا أيوب - عليه السلام - وقت أن نادى ربه ، وتضرع إليه بقوله: يا رب أنى أصابنى ما أصابنى من الضر والتعب ، وأنت أجل وأعظم رحمة من كل من يتصف بها .

فأنت ترى أن أيوب - عليه السلام - لم يزد في تضرعه عن وصف حاله { أَنِّي مَسَّنِيَ الضر } ووصف خالقه - تعالى - بأعظم صفات الرحمة دون أن يقترح شيئا أو يطلب شيئا ، وهذا من الأدب السامى الذى سلكه الأنبياء مع خالقهم - عز وجل - .

قال صاحب الكشاف:"ألفط - أيوب - في السؤال ، حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة ، وذكر ربه بغاية الرحمة ، ولم يصرح بالمطلوب . ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين ، مشت جرذان - أى فئران - بيتى على العصى!! فقال لها: ألطفت من السؤال ، لا جرم لأجعلنها تثب وثب الفهود ، وملأ بيتها حبا . . .".

وبعد أن دعا أيوب ربه - تعالى - بهذه الثقة ، وبهذا الأدب والإخلاص ، كانت الإجابة المتمثلة في قوله - تعالى -: { فاستجبنا لَهُ } أى دعاءه وتضرعه { فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ } أى: فأنزلنا ما نزل به من بلاء في جسده ، وجعلناه سليما معافى . بأن أمرناه أن يضرب برجله الأرض ففعل ، فنبعت له عين فاغتسل منها ، فزال عن بدنه كل مرض أصابه بإذن الله - تعالى - .

قال - سبحانه -: { واذكر عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ اركض بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ . . } وقال - تعالى -: { وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ } أى: لم نخيب رجاء أيوب حين دعانا ، بل استجبنا له دعاءه ، بفضلنا وكرمنا ، فأزلنا عنه المرض الذى نزل به ، ولم نكتف بهذا - أيضا - بل عوضناه عمن فقده من أولاده ، ورزقناه مثلهم معهم .

قال الآلوسى ما ملخصه:"قوله: { وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ } أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال: سالت النبى - صلى الله عليه وسلم - عن قوله: { وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ } فقال:"رد الله - تعالى - امرأته إليه ، وزاد في شبابها ، حتى ولدت له ستا وعشرين ذكرا"."

فالمعنى على هذا: آتيناه في الدنيا مثل أهله عددا مع زيادة مثل آخر .

وعن قتادة: إن الله أحيا له أولاده الذين هلكوا في بلائه ، وأوتى مثلهم في الدنيا . . .

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 2923)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت