فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 1236

وقوله: { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } استئناف لبيان مغزى هذا الاقتراب ، لأنّهم يبدون من حالهم أنّهم مؤمنون ، فكيف جُعلوا إلى الكفر أقربَ ، فقيل: إنّ الذي يُبدونه ليس موافقًا لما في قلوبهم ، وفي هذا الاستئناف ما يمنع أن يكون المراد من الكفر في قوله: { هم للكفر } أهلَ الكفر .

وقوله: { الذين قالوا لإخوانهم } بدل من { الذين نافقوا } ، أو صفة له ، إذا كان مضمون صلته أشهر عند السامعين ، إذ لعلّهم عُرفوا من قبل بقولهم فيما تقدّم { لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } فذُكِر هنا وصفًا لهم ليتميّزُوا كمال تمييز . واللام في ( لإخوانهم ) للتعليل وليست للتعدية ، قالوا: كما هي في قوله: { وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض } [ آل عمران: 156 ] .

والمراد بالإخوان هنا عين المراد هناك ، وهم الخزرج الذين قتلوا يوم أُحُد ، وهم من جلّة المؤمنين .

وجملة { وقعدوا } حال معترَضة ، ومعنى لو أطاعونا أي امتثلوا إشارتنا في عدم الخروج إلى أُحُد ، وفعلوا كما فعلنا ، وقرأ الجمهور: ما قُتِلوا بتخفيف التاء من القتل . وقرأه هشام عن ابن عامر بتشديد التاء من التقتيل للمبالغة في القتل ، وهو يفيد معنى تفظيعهم ما أصاب إخوانهم من القتل طعنًا في طاعتهم النبي صلى الله عليه وسلم

وقوله: { قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } أي ادرأوه عند حلوله ، فإنّ من لم يمت بالسيف مات بغيره أي: إن كنتم صادقين في أنّ سبب موت إخوانكم هو عصين أمركم .

وقال السيد رحمه الله (1) :

لقد كتب الله على نفسه النصر لأوليائه حملة رايته وأصحاب عقيدته . . ولكنه علق هذا النصر بكمال حقيقة الإيمان في قلوبهم; وباستيفاء مقتضيات الإيمان في تنظيمهم وسلوكهم; وباستكمال العدة التي في طاقتهم وببذل الجهد الذي في وسعهم . . فهذه سنة الله . وسنة الله لا تحابي أحدًا . . فأما حين يقصرون في أحد هذه الأمور فإن عليهم أن يتقبلوا نتيجة التقصير . فإن كونهم مسلمين لا يقتضي خرق السنن لهم وإبطال الناموس . فإنما هم مسلمون لأنهم يطابقون حياتهم كلها على السنن ويصطلحون بفطرتهم كلها مع الناموس . .

ولكن كونهم مسلمين لا يذهب هدرًا كذلك ولا يضيع هباء . فإن استسلامهم لله وحملهم لرايته وعزمهم على طاعته والتزام منهجه . . من شأنه أن يرد أخطاءهم وتقصيرهم خيرًا وبركة في النهاية - بعد استيفاء ما يترتب عليها من التضحية والألم والقرح - وأن يجعل من الأخطاء ونتائجها دروسًا وتجارب تزيد في نقاء العقيدة وتمحيص القلوب وتطهير الصفوف; وتؤهل للنصر الموعود; وتنتهي بالخير والبركة . . ولا تطرد المسلمين من كنف الله ورعايته وعنايته . بل تمدهم بزاد الطريق . مهما يمسهم من البرح والألم والضيق في أثناء الطريق .

وبهذا الوضوح والصرامة معًا يأخذ الله الجماعة المسلمة ; وهو يرد على تساؤلها ودهشتها مما وقع; ويكشف عن السبب القريب من أفعالها; كما يكشف عن الحكمة البعيدة من قدره - سبحانه - ويواجه المنافقين بحقيقة الموت التي لا يعصم منها حذر ولا قعود:

{ أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم . إن الله على كل شيء قدير } . .

والمسلمون الذين أصيبوا في أحد بما أصيبوا; والذين فقدوا سبعين من شهدائهم غير الجراح والآلام التي عانوها في هذا اليوم المرير; والذين عز عليهم أن يصيبهم ما أصابهم وهم المسلمون وهم يجاهدون في سبيل الله وأعداؤهم هم المشركون أعداء الله . . المسلمون الذين أصيبوا بهذه المصيبة كان قد سبق لهم أن أصابوا مثليها: أصابوا مثلها يوم بدر فقتلوا سبعين من صناديد قريش . وأصابوا مثلها يوم أحد في مطلع المعركة حينما كانوا مستقيمين على أمر الله وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - وقبل أن يضعفوا أمام إغراء الغنائم .

وقبل أن تهجس في أنفسهم الخواطر التي لا ينبغي أن تهجس في ضمائر المؤمنين!

ويذكرهم الله هذا كله وهو يرد على دهشتهم المتسائلة فيرجع ما حدث لهم إلى سببه المباشر القريب:

{ قل: هو من عند أنفسكم } . .

أنفسكم هي التي تخلخلت وفشلت وتنازعت في الأمر . وأنفسكم هي التي أخلت بشرط الله وشرط رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأنفسكم هي التي خالجتها الأطماع والهواجس . وأنفسكم هي التي عصت أمر رسول الله وخطته للمعركة . . فهذا الذي تستنكرون أن يقع لكم وتقولون: كيف هذا؟ هو من عند أنفسكم بانطباق سنة الله عليكم حين عرّضتم أنفسكم لها . فالإنسان حين يعرّض نفسه لسنة الله لا بد أن تنطبق عليه مسلمًا كان أو مشركًا ولا تنخرق محاباة له فمن كمال إسلامه أن يوافق نفسه على مقتضى سنة الله ابتداء!

{ إن الله على كل شيء قدير } . .

ومن مقتضى قدرته أن تنفذ سنته وأن يحكم ناموسه وأن تمضي الأمور وفق حكمه وإرادته وألا تتعطل سننه التي أقام عليها الكون والحياة والأحداث .

ومع هذا فقد كان قدر الله من وراء الأمر كله لحكمة يراها . وقدر الله دائمًا من وراء كل أمر يحدث ومن وراء كل حركة وكل نأمة وكل انبثاقة في هذا الكون كله:

(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 492)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت