فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 1236

{ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله . . . } . .

لم يقع مصادفة ولا جزافًا ولم يقع عبثًا ولا سدى . فكل حركة محسوب حسابها في تصميم هذا الكون; ومقدر لها علتها ونتائجها; وهي في مجموعها - ومع جريانها وفق السنن والقوانين الثابتة التي لا تنخرق ولا تتعطل ولا تحابي - تحقق الحكمة الكامنة وراءها; وتكمل « التصميم » النهائي للكون في مجموعه!

إن التصور الإسلامي يبلغ من الشمول والتوازن في هذه القضية ، ما لا يبلغه أي تصور آخر في تاريخ البشرية . .

هنالك ناموس ثابت وسنن حتمية . . وهناك وراء الناموس الثابت والسنن الحتمية إرادة فاعلة ومشيئة طليقة . وهناك وراء الناموس والسنن والإرادة والمشيئة حكمة مدبرة يجري كل شيء في نطاقها . . والناموس يتحكم والسنن تجري في كل شيء - ومن بينها الإنسان - والإنسان يتعرض لهذه السنن بحركاته الإرادية المختارة وبفعله الذي ينشئه حسب تفكيره وتدبيره فتنطبق عليه وتؤثر فيه . . ولكن هذا كله يقع موافقًا لقدر الله ومشيئته ; ويحقق في الوقت ذاته حكمته وتقديره . . وإرادة الإنسان وتفكيره وحركته وفاعليته هي جزء من سنن الله وناموسه يفعل بها ما يفعل ويحقق بها ما يحقق في نطاق قدره وتدبيره . فليس شيء منها خارجًا على السنن والناموس . ولا مقابلًا لها ومناهضًا لفعلها كما يتصور الذين يضعون إرادة الله وقدره في كفة ويضعون إرادة الإنسان وفاعليته في الكفة المقابلة .

.كلا . ليس الأمر هكذا في التصور الإسلامي . . فالإنسان ليس ندًا لله ولا عدوًا له كذلك . والله - سبحانه - حين وهب الإنسان كينونته وفكره وإرادته وتقديره وتدبيره وفاعليته في الأرض لم يجعل شيئًا من هذا كله متعارضًا مع سنته - سبحانه - ولا مناهضًا لمشيئته ولا خارجًا كذلك عن الحكمة الأخيرة وراء قدره في هذا الكون الكبير . . ولكن جعل من سنته وقدره أن يقدر الإنسان ويدبر ; وأن يتحرك ويؤثر ; وأن يتعرض لسنة الله فتنطبق عليه ; وأن يلقى جزاء هذا التعرض كاملًا من لذة وألم وراحة وتعب وسعادة وشقاوة . . وأن يتحقق من وراء هذا التعرض ونتيجته قدر الله المحيط بكل شيء في تناسق وتوازن . .

وهذا الذي وقع في غزوة أحد مثل لهذا الذي نقوله عن التصور الإسلامي الشامل الكامل . فقد عرف الله المسلمين سنته وشرطه في النصر والهزيمة . فخالفوا هم عن سنته وشرطه فتعرضوا للألم والقرح الذي تعرضوا له . . ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد ، فقد كان وراء المخالفة والألم تحقيق قدر الله في تمييز المؤمنين من المنافقين في الصف وتمحيص قلوب المؤمنين وتجلية ما فيها من غبش في التصور ومن ضعف أو قصور . .

وهذا بدوره خير ينتهي إليه أمر المسلمين - من وراء الألم والضر - وقد نالوه وفق سنة الله كذلك . فمن سنته أن المسلمين الذين يسلمون بمنهج الله ويستسلمون له في عمومه يعينهم الله ويرعاهم ويجعل من أخطائهم وسيلة لخيرهم النهائي ولو ذاقوا مغبتها من الألم - لأن هذا الألم وسيلة من وسائل التمحيص والتربية والإعداد .

وعلى هذا الموقف الصلب المكشوف تستريح أقدام المسلمين وتطمئن قلوبهم بلا أرجحة ولا قلق ولا حيرة وهم يواجهون قدر الله ويتعاملون مع سنته في الحياة; وهم يحسون أن الله يصنع بهم في أنفسهم وفيمن حولهم ما يريده وأنهم أداة من أدوات القدر يفعل بها الله ما يشاء وأن خطأهم وصوابهم - وكل ما يلقونه من نتائج لخطئهم وصوابهم - متساوق مع قدر الله وحكمته وصائر بهم إلى الخير ما داموا في الطريق:

{ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله . . وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم . هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان . يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم . والله أعلم بما يكتمون } . .

وهو يشير في هذه الآية إلى موقف عبد الله بن أبي بن سلول و من معه ويسميهم: { الذين نافقوا } . . وقد كشفهم الله في هذه الموقعة وميز الصف الإسلامي منهم . وقرر حقيقة موقفهم يومذاك: { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان } . . وهم غير صادقين في احتجاجهم بأنهم يرجعون لأنهم لا يعلمون أن هناك قتالًا سيكون بين المسلمين والمشركين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت