فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 1236

قالوا: ويحتمل أنها محيطة بهم الآن ، بأن يراد بجهنم الأسباب الموصلة إليها من الكفر والنفاق وغير ذلك من الرذائل التى سقطوا فيها .

وقوله: { إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ . . } بيان لنوع آخر من خبث نواياهم ، وسوء بواطنهم .

أى:"إن تصبك"يا محمد حسنة من نصر أو نعمة أو غنيمة - كما حدث يوم بدر -"تسؤهم"تلك الحسنة ، وتورثهم حزنا وغما ، بسبب شدة عداوتهم لك ولأصحابك .

{ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ } من هزيمة أو شدة - كما حدث يوم أحد -"يقولوا"باختيال وعجب وشماتة { يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ } .

أى: قد تلافينا ما يهمنا من الأمر بالحزم والتيقظ ، من قبل وقوع المصيبة التى حلت بالمسلمين ، ولم نلق بأيدينا إلى التهلكة كما فعل هؤلاء المسلمون .

وقوله: { وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ } تصوير لحالهم ، ولما جبلوا عليه من شماتة بالملسمين .

أى: عندما تصيب المسلمين مصيبة أو مكروه ، ينصرف هؤلاء المنافقون إلى أهليهم وشيعتهم - والفرح يملأ جوانحهم - ليبشروهم بما نزل بالمسلمين من مكروه .

قال الجمل: فإن قلت: فلم قابل الله الحسنة بالمصيبة ، ولم يقابلها بالسيئة كما قال في سورة آل عمران: { وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا } قلت: لأن الخطاب هنا للنبى - صلى الله عليه وسلم - وهى في حقه مصيبة يثاب عليها ، ولا سيئة يعاتب عليها ، والتى في آل عمران خطاب للمؤمنين .

وقوله: { قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا . . } إرشاد للرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الجواب الذى يكبتهم ويزيل فرحتهم .

أى:"قل"يا محمد - لهؤلاء المنافقين الذين يسرهم ما يصبك من شر ، ويحزنهم ما يصيبك من خير ، والذين خلت قلوبهم من الإِمان بقضاء الله وقدره ، قل لهم على سبيل التقريع والتبكيت . لن يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا وقدره علينا"هو مولانا"الذى يتولانا في كل أمورنا ، ونلجأ إليه في كل أحوالنا . وعليه وحده - سبحانه نكل أمورنا وليس على أحد سواه .

وقوله: { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الحسنيين . . } إرشاد آخر للرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الجواب الذى يخرس ألسنة هؤلاء المنافقين ويزيل فرحتهم .

وقوله: { تَرَبَّصُونَ } التربص بمعنى الانتظار في تمهل . يقال: فلان يتربص بفلان الدوائر ، إذا كان ينتظر ووقع مكروه به .

والحسنيان: مثنى الحسنى . والمراد بهما: النصر أو الشهادة .

أى: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين - أيضا - إنكم ما تنتظرون بنا إلا إحدى العاقبتين اللتين كل وحدة منهما أحسن من جميع العواقب ، وهما إما النصر على الأعداء ، وفى ذلك الأجر والمغنم والسلامة ، وإما أن نقتل بأيدهم وفى ذلك الشهادة والفوز بالجنة والنجاة من النار .

قال الآلوسى: والحاصل أن ما تنتظرونه بنا - أيها المنافقون - لا يخلوا من أحد هذين الأمرين ، كل منهما عاقبته حسنى لا كما تزعمون من أن ما يصيبنا من القتل في الغزوة سوء ، ولذلك سررتم به .

وصح من حديث أبى هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال:"تكفل الله - تعالى - لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله ، وتصديق كلمته أن يدخله الجنة . أو يرجعه إلى مسكنه الذى خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة".

وقوله: { وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا } بيان لما ينتظر المؤمنون وقوعه بالمنافقين .

أى: ونحن معشر المؤمنين نتربص بكم أيها المنافقون إحدى السوءتين من العواقب: إما"أن يصيبكم الله بعذاب"كائن"من عند"فيهلككم كما أهلك الذين من قبلكم ، وإما أن يصبكم بعذاب كائن"بأيدينا"بأن يأذن لنا في قتالكم وقتلكم .

والفاء في قوله: { فتربصوا إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ } للإِفصاح .

أى إذا كان الأمر كذلك فتربصوا بنا ما هو عاقبتنا ، فإنا معكم متربصون ما هو عاقبتكم ، وسترون أن عاقبتنا على كل حال هو الخير ، وأن عاقبتكم هى الشر .

وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة ، قد حكت طرفا من رذائل المنافقين ومن مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإِسلامية ، وردت عليهم بما يكبتهم ، ويفضحهم على رءوس الأشهاد .

وقال السيد رحمه الله (1) :

روى محمد بن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن قتادة قالوا: « قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ، وهو في جهازه ( أي لغزوة تبوك ) للجد بن قيس أخي بني سلمة: هل لك يا جد في جلاد بني الأصفر؟ » ( يعني الروم ) فقال: يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني؟ فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبًا بالنساء مني ، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن . فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: « قد أذنت لك » ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية .

بمثل هذه المعاذير كان المنافقون يعتذرون . والرد عليهم:

(1) - في ظلال القرآن - (ج 4 / ص 36)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت