فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 1236

{ ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } . .

والتعبير يرسم مشهدًا كأن الفتنة فيه هاوية يسقط فيها المفتونون؛ وكأن جهنم من ورائهم تحيط بهم ، وتأخذ عليهم المنافذ والمتجهات فلا يفلتون . كناية عن مقارفتهم للخطيئة كاملة وعن انتظار العقاب عليها حتمًا ، جزاء الكذب والتخلف والهبوط إلى هذا المستوى المنحط من المعاذير . وتقريرًا لكفرهم وإن كانوا يتظاهرون بالإسلام وهم فيه منافقون .

إنهم لا يريدون بالرسول خيرًا ولا بالمسلمين؛ وإنهم ليسؤوهم أن يجد الرسول والمسلمون خيرًا: { إن تصبك حسنة تسؤهم } . .

وإنهم ليفرحون لما يحل بالمسلمين من مصائب وما ينزل بهم من مشقة: { وإن تصبك مصيبة يقولوا: قد أخذنا أمرنا من قبل } .

واحتطنا ألا نصاب مع المسلمين بشرّ ، وتخلفنا عن الكفاح والغزو!

{ ويتولوا وهم فرحون } . .

بالنجاة وبما أصاب المسلمين من بلاء .

ذلك أنهم يأخذون بظواهر الأمور ، ويحسبون البلاء شرًا في كل حال ، ويظنون أنهم يحققون لأنفسهم الخير بالتخلف والقعود . وقد خلت قلوبهم من التسليم لله ، والرضى بقدره ، واعتقاد الخير فيه . والمسلم الصادق يبذل جهده ويقدم لا يخشى ، اعتقادًا بأن ما يصيبه من خير أو شر معقود بإرادة الله ، وأن الله ناصر له ومعين:

{ قل: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . .

والله قد كتب للمؤمنين النصر ، ووعدهم به في النهاية ، فمهما يصبهم من شدة ، ومهما يلاقوا من ابتلاء؛ فهو إعداد للنصر الموعود ، ليناله المؤمنون عن بينة ، وبعد تمحيص ، وبوسائله التي اقتضتها سنة الله ، نصرًا عزيزًا لا رخيصًا ، وعزة تحميها نفوس عزيزة مستعدة لكل ابتلاء ، صابرة على كل تضحية . والله هو الناصر وهو المعين: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . .

والاعتقاد بقدر الله ، والتوكل الكامل على الله ، لا ينفيان اتخاذ العدة بما في الطوق . فذلك أمر الله الصريح: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة . . . } وما يتكل على الله حق الاتكال من لا ينفذ أمر الله ، ومن لا يأخذ بالأسباب ، ومن لا يدرك سنة الله الجارية التي لا تحابي أحدًا ، ولا تراعي خاطر إنسان!

على أن المؤمن أمره كله خير . سواء نال النصر أو نال الشهادة . والكافر أمره كله شر سواء أصابه عذاب الله المباشر أو على أيدي المؤمنين:

{ قل: هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا . فتربصوا إنا معكم متربصون } . .

فماذا يتربص المنافقون بالمؤمنين؟ إنها الحسنى على كل حال . النصر الذي تعلو به كلمة الله ، فهو جزاؤهم في هذه الأرض . أو الشهادة في سبيل الحق عليا الدرجات عند الله . وماذا يتربص المؤمنون بالمنافقين؟ إنه عذاب الله يأخذهم كما أخذ من قبلهم من المكذبين؛ أو ببطش المؤمنين بهم كما وقع من قبل للمشركين . . { فتربصوا إنا معكم متربصون } والعاقبة معروفة . . والعاقبة للمؤمنين .

ولقد كان بعض هؤلاء المعتذرين المتخلفين المتربصين ، قد عرض ماله ، وهو يعتذر عن الجهاد ، ذلك ليمسك العصا من الوسط على طريقة المنافقين في كل زمان ومكان . فرد الله عليهم مناورتهم ، وكلف رسوله أن يعلن أن إنفاقهم غير مقبول عند الله ، لأنهم إنما ينفقونه عن رياء وخوف ، لا عن إيمان وثقة ، وسواء بذلوه عن رضا منهم بوصفه ذريعة يخدعون بها المسلمين ، أو عن كره خوفًا من انكشاف أمرهم ، فهو في الحالتين مردود ، لا ثواب له ولا يحسب لهم عند الله: قل: أنفقوا طوعًا أو كرهًا لن يتقبل منكم ، إنكم كنتم قومًا فاسقين .

وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله ، ولا يأتون الصلاة إلى وهم كسالى ، ولا ينفقون إلا وهم كارهون . .

إنها صورة المنافقين في كل آن . خوف ومداراة ، وقلب منحرف وضمير مدخول . ومظاهر خالية من الروح ، وتظاهر بغير ما يكنه الضمير .

والتعبير القرآني الدقيق: { ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى } . .

فهم يأتونها مظهرًا بلا حقيقة ، ولا يقيمونها إقامة واستقامة . يأتونها كسالى لأن الباعث عليها لا ينبثق من أعماق الضمير ، إنما يدفعون إليها دفعًا ، فيحسون أنهم عليها مسخرون! وكذلك ينفقون ما ينفقون كارهين مكرهين .

وما كان الله ليقبل هذه الحركات الظاهرة التي لا تحدو إليها عقيدة ، ولا يصاحبها شعور دافع . فالباعث هو عمدة العمل والنية هي مقياسه الصحيح .

ولقد كان هؤلاء المنفقون وهم كارهون ذوي مال وذوي أولاد ، وذوي جاه في قومهم وشرف . ولكن هذا كله ليس بشيء عند الله . وكذلك يجب ألا يكون شيئًا عند الرسول والمؤمنين . فما هي بنعمة يسبغها الله عليهم ليهنأوا بها ، إنما هي الفتنة يسوقها الله إليهم ويعذبهم بها: { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ، وتزهق أنفسهم وهم كافرون } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت