فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 1236

إن الأموال والأولاد قد تكون نعمة يسبغها الله على عبد من عباده ، حين يوفقه إلى الشكر على النعمة ، والإصلاح بها في الأرض ، والتوجه بها إلى الله ، فإذا هو مطمئن الضمير ، ساكن النفس ، واثق من المصير . كلما أنفق احتسب وشعر أنه قدم لنفسه ذخرًا ، وكلما أصيب في ماله أو بنيه احتسب ، فإذا السكينة النفسية تغمره . والأمل في الله يسري عنه . . وقد تكون نقمة يصيب الله بها عبدًا من عباده ، لأنه يعلم من أمره الفساد والدخل ، فإذا القلق على الأموال والأولاد يحول حياته جحيمًا ، وإذا الحرص عليها يؤرقه ويتلف أعصابه ، وإذا هو ينفق المال حين ينفقه فيما يتلفه ويعود عليه بالأذى ، وإذا هو يشقى بأبنائه إذا مرضوا ويشقى بهم إذا صحوا ، وكم من الناس يعذبون بأبنائهم لسبب من الأسباب!

وهؤلاء الذين كانوا على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمثالهم في كل زمان ، يملكون الأموال ويرزقون الأولاد ، يعجب الناس ظاهرها ، وهي لهم عذاب على نحو من الأنحاء . عذاب في الحياة الدنيا ، وهم - بما علم الله من دخيلتهم - صائرون إلى الهاوية . هاوية الموت على الكفر والعياذ بالله من هذا المصير .

والتعبير { وتزهق أنفسهم } يلقي ظل الفرار لهذه النفوس أو الهلاك . ظلًا مزعجًا لا هدوء فيه ولا اطمئنان ، فيتسق هذا الظل مع ظل العذاب في الحياة الدنيا بالأموال والأولاد . فهو القلق والكرب في الدنيا والآخرة . وما يحسد أحد على هذه المظاهر التي تحمل في طياتها البلاء!

ولقد كان أولئك المنافقون يدسون أنفسهم في الصف ، لا عن إيمان واعتقاد ، ولكن عن خوف وتقية ، وعن طمع ورهب .

ثم يحلفون أنهم من المسلمين ، أسلموا اقتناعًا ، وآمنوا اعتقادًا . . فهذه السورة تفضحهم وتكشفهم على حقيقتهم ، فهي الفاضحة التي تكشف رداء المداورة وتمزق ثوب النفاق:

{ ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون . لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلًا لولوا إليه وهم يجمحون } .

إنهم جبناء . والتعبير يرسم لهذا الجبن مشهدًا ويجسمه في حركة . حركة النفس والقلب ، يبرزها في حركة جسد وعيان:

{ لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلًا لولوا إليه وهم يجمحون } . .

فهم متطلعون أبدًا إلى مخبأ يحتمون به ، ويأمنون فيه . حصنًا أو مغارة أو نفقًا . إنهم مذعورون مطاردون . يطاردهم الفزع الداخلي والجبن الروحي . ومن هنا:

{ يحلفون بالله إنهم لمنكم } . .

بكل أدوات التوكيد ، ليداروا ما في نفوسهم ، وليتقوا انكشاف طويتهم ، وليأمنوا على ذواتهم . . وإنها لصورة زرية للجبن والخوف والملق والرياء . لا يرسمها إلا هذا الاسلوب القرآني العجيب . الذي يبرز حركات النفس شاخصة للحس على طريقة التصوير الفني الموحي العميق .

ثم يستمر سياق السورة في الحديث عن المنافقين ، وما يند منهم من أقوال وأعمال ، تكشف عن نواياهم التي يحاولون سترها ، فلا يستطيعون . فمنهم من يلمز النبي - صلى الله عليه وسلم - في توزيع الصدقات ، ويتهم عدالته في التوزيع ، وهو المعصوم ذو الخلق العظيم ، ومنهم من يقول: هو اذن يستمع لكل قائل ، ويصدق كل ما يقال ، وهو النبي الفطن البصير ، المفكر المدبر الحكيم . ومنهم من يتخفى بالقولة الفاجرة الكافرة ، حتى إذا انكشف أمره استعان بالكذب والحلف ليبرئ نفسه من تبعة ما قال . ومنهم من يخشى أن ينزل الله على رسوله سورة تفضح نفاقهم وتكشفهم للمسلمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت