فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 1236

ويقول القرطبي رحمه الله (1) :

قوله تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة } «حسبتم» معناه ظننتم . قال قَتادة والسدّيّ وأكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجَهد والشدّة ، والحرّ والبرد ، وسوء العيش ، وأنواع الشدائد؛ وكان كما قال الله تعالى: { وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر } [ الأحزاب: 10 ] . وقيل: نزلت في حرب أحد؛ نظيرها في آل عمران { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ } [ آل عمران: 142 ] . وقالت فرقة: نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين ، وآثروا رضا الله ورسوله ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسرّ قوم من الأغنياء النفاق؛ فأنزل الله تعالى تطييبًا لقلوبهم «أَمْ حَسِبْتُمْ» . و «أم» هنا منقطعة ، بمعنى بل؛ وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة ألف الاستفهام ليبتدأ بها ، و «حسبتم» تطلب مفعولين؛ فقال النحاة: «أن تدخلوا» تسدّ مسدّ المفعولين . وقيل: المفعول الثاني محذوف: أحسبتم دخولكم الجنة واقعًا . و «لمّا» بمعنى لم . و «مَثَلُ» معناه شبه؛ أي ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم فتصبروا كما صبروا . وحكى النَّضْر بن شُمَيل أن «مَثل» يكون بمعنى صفة ، ويجوز أن يكون المعنى: ولما يصبكم مثل الذي أصاب الذين من قبلكم ، أي من البلاء . قال وهب: وجد فيما بين مكة والطائف سبعون نبيًّا موتى ، كان سبب موتهم الجوع والقُمّل ، ونظير هذه الآية { الم أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ } [ العنكبوت: 1 ، 2 ، 3 ] على ما يأتي؛ فاستدعاهم تعالى إلى الصبر ، ووعدهم على ذلك بالنصر فقال: { ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } . والزلزلة: شدّة التحريك ، تكون في الأشخاص وفي الأحوال؛ يقال: زَلْزَلَ الله الأرض زَلْزَلة وزِلزالا بالكسر فتزلزلت إذا تحرّكت واضطربت؛ فمعنى «زُلزِلوا» خُوِّفوا وحُرِّكوا . والزَّلزال بالفتح الاسم . والزَّلازِل: الشدائد . وقال الزجاج: أصل الزَّلزلة من زَلّ الشيء عن مكانه؛ فإذا قلت: زلزلته فمعناه كررت زلَلَه من مكانه . ومذهب سيبويه أن زلزل رباعيّ كدحرج . وقرأ نافع «حتى يَقُولُ» بالرفع ، والباقون بالنصب . ومذهب سيبويه في «حتى» أن النصب فيما بعدها من جهتين والرفع من جهتين؛ تقول: سرت حتى أدخلَ المدينة بالنصب على أن السير والدخول جميعًا قد مضيا ، أي سرت إلى أن أدخلها ، وهذه غاية؛ وعليه قراءة من قرأ بالنصب . والوجه الآخر في النصب في غير الآية سرت حتى أدخلَها ، أي كي أدخلَها . والوجهان في الرفع سرت حتى أدخلُها ، أي سرت فأدخلها ، وقد مضيا جميعًا ، أي كنت سرت فدخلت . ولا تعمل حتى هاهنا بإضمار أن ، لأن بعدها جملة؛ كما قال الفرزدق:

فيَا عَجبًا حتى كُليبٌ تَسُبُّنِي ... قال النحاس: فعلى هذا القراءةُ بالرفع أبين وأصح معنى ، أي وزلزلوا حتى الرسولُ يقولُ ، أي حتى هذه حاله؛ لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها ، والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى . والرسول هنا شَعْيَا في قول مقاتل ، وهو اليَسَع . وقال الكلبيّ: هذا في كل رسول بعث إلى أُمته وأجهد في ذلك حتى قال: متى نصر الله؟ . ورُوي عن الضحاك قال: يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم ، وعليه يدل نزول الآية ، والله أعلم . والوجه الآخر في غير الآية سرت حتى أدخلُها ، على أن يكون السير قد مضى والدخول الآن . وحكى سيبويه: مرِض حتى لا يَرجونَه ، أي هو الآن لا يُرْجَى؛ ومثله سرت حتى أدخلُها لا أُمنع . وبالرفع قرأ مجاهد والأعرج وابن مُحَيْصِن وشيبة . وبالنصب قرأ الحسن وأبو جعفر وابن أبي إسحاق وشبل وغيرهم . قال مكيّ: وهو الاختيار؛ لأن جماعة القرّاء عليه . وقرأ الأعمش «وزلزلوا ويقول الرسول» بالواو بدل حتى . وفي مصحف ابن مسعود «وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول» . وأكثر المتأوّلين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين ، أي بلغ الجهد بهم حتى استبطئوا النصر؛ فقال الله تعالى: { ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } . ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك وارتياب . والرسول اسم جنس . وقالت طائفة: في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير: حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله؛ فيقول الرسول: ألاَ إن نصر الله قريب؛ فقدّم الرسول في الرتبة لمكانته ، ثم قدّم قول المؤمنين لأنه المتقدّم في الزمان . قال ابن عطية: وهذا تحكّم . وحمل الكلام على وجهه غير متعذر . ويحتمل أن يكون { ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } إخبارًا من الله تعالى مُؤْتنفًا بعد تمام ذكر القول .

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 618)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت