قوله تعالى: { متى نَصْرُ الله } رُفع بالابتداء على قول سيبويه ، وعلى قول أبي العباس رُفع بفعل ، أي متى يقع نصر الله . و «قريب» خبر «إنّ» . قال النحاس: ويجوز في غير القرآن «قريبًا» أي مكانًا قريبًا . و «قريب» لا تثنّيه العرب ولا تجمعه ولا تؤنّثه في هذا المعنى؛ قال الله عز وجل: { إِنَّ رَحْمَةَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين } [ الأعراف: 56 ] . وقال الشاعر:
له الويلُ إن أمْسَى ولا أُمُّ هاشم ... قريب ولا بَسْبَاسةُ بنْةُ يَشْكُرَا
فإن قلت: فلان قريب لي ثنيت وجمعت؛ فقلت: قريبون وأقرباء وقرباء .
وقال الرازي رحمه الله (1) :
في النظم وجهان الأول: أنه تعالى قال في الآية السالفة: { والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } : والمراد أنه يهدي من يشاء إلى الحق وطلب الجنة فبين في هذه الآية أن ذلك الطلب لا يتم ولا يكمل إلا باحتمال الشدائد في التكليف فقال: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } الآية الثاني: أنه في الآية السالفة ما بين أنه هداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه بين في هذه الآية أنهم بعد تلك الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق وصبروا على البلوى ، فكذا أنتم يا أصحاب محمد لا تستحقون الفضيلة في الدين إلا بتحمل هذه المحن .
وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: استقصينا الكلام في لفظ { أَمْ } في تفسير قوله تعالى: { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت } [ البقرة: 133 ] والذي نريده ههنا أن نقول { أَمْ } استفهام متوسط كما أن ( هل ) استفهام سابق ، فيجوز أن يقول: هل عندك رجل ، أعندك رجل؟ ابتداء ، ولا يجوز أن يقال: أم عندك رجل ، فأما إذا كان متوسطًا جاز سواء كان مسبوقًا باستفهام آخر أو لا يكون ، أما إذا كان مسبوقًا باستفهام آخر فهو كقولك: أنت رجل لا تنصف ، أفعن جهل تفعل هذا أم لك سلطان؟ وأما الذي لا يكون مسبوقًا بالاستفهام فهو كقوله: { الم * تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِ العالمين * أَمْ يَقُولُونَ افتراه } [ السجدة: 1 3 ] وهذا القسم يكون في تقدير القسم الأول ، والتقدير: أفيؤمنون بهذا أم يقولون أفتراه؟ فكذا تقدير هذه الآية: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، فصبروا على استهزاء قومهم بهم ، أفتسلكون سبيلهم ، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم؟ هذا ما لخصه القفال رحمه الله ، والله أعلم .
المسألة الثانية: قوله تعالى: { وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } أي ولم يأتكم مثل الذين خلوا وذكر الكوفيون من أهل النحو أن { لَّمًّا } إنما هي { لَمْ } و { مَا } زائدة وقال سيبويه: { مَا } ليست زائدة لأن { لَّمًّا } تقع في مواضع لا تقع فيها { لَمْ } يقول الرجل لصاحبه: أقدم فلان؟ فيقول: { لَّمًّا } ولا يقول: { لَمْ } مفردة ، قال المبرد: إذا قال القائل: لم يأتني زيد ، فهو نفي لقولك أتاك زيد وإذا قال: لما يأتني فمعناه أنه لم يأتني بعد وأنا أتوقعه قال النابغة:
أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد
فعلى هذا قوله: { وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } يدل على أن إتيان ذلك متوقع منتظر .
المسألة الثالثة: قال ابن عباس: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، اشتد الضرر عليهم ، لأنهم خرجوا بلا مال ، وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى تطييبًا لقلوبهم { أَمْ حَسِبْتُمْ } وقال قتادة والسدي: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والحزن ، وكان كما قال سبحانه وتعالى: { وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر } [ الأحزاب: 10 ] وقيل نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله بن أبي لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: إلى متى تقتلون أنفسكم وترجون الباطل ولو كان محمد نبيًا لما سلط الله عليكم الأسر والقتل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
واعلم أن تقدير الآية: أم حسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة بمجرد الإيمان بي وتصديق رسولي ، دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبدكم به ، وابتلاكم بالصبر عليه ، وأن ينالكم من أذى الكفار ، ومن احتمال الفقر والفاقة ، ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة ، ومقاساة الأهوال في مجاهدة العدو ، كما كان كذلك من قبلكم من المؤمنين ، وهو المراد من قوله: { وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } والمثل هو المثل وهو الشبه ، وهما لغتان: مثل ومثل كشبه وشبه ، إلا أن المثل مستعار لحالة غريبة أو قصة عجيبة لها شأن ومنه قوله تعالى: { وَلِلَّهِ المثل الأعلى } [ النحل: 60 ] أي الصفة التي لها شأن عظيم .
(1) - تفسير الرازي - (ج 3 / ص 252)