فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 1236

حتى جاء العباس فقال: يا رسول الله ، ذهبت قريش ، فلا قريش بعد اليوم . ألا ترى أنه قال في تعظيمها:"وَلاَ يَلْتَقِط لُقَطَتَها إلاّ مُنْشِد"واللُّقَطة بها وبغيرها سواء . ويجوز أن تكون منسوخة بقوله: { وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } [ البقرة: 193 ] . قال ابن العربي: «حضرتُ في بيت المقدس طهّره الله بمدرسة أبي عُقْبة الحنفي ، والقاضي الزّنجاني يلقي علينا الدرس في يوم جمعة ، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بَهِيّ المَنْظَر على ظهره أطمار ، فسلّم سلام العلماء وتصدّر في صدر المجلس بمدارع الرّعاء؛ فقال القاضي الزّنجاني: مَن السيد؟ فقال: رجل سلبه الشُّطار أمس ، وكان مقصدي هذا الحَرَم المقدّس؛ وأنا رجل من أهل صاغان من طلبه العلم . فقال القاضي مبادرًا: سَلُوه على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحَرَم هل يُقتل أم لا؟ فأفتى بأنه لا يقتل . فسُئل عن الدليل؛ فقال قوله تعالى: { وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } قُرىء «ولا تقتلوهم ، ولا تقاتلوهم» فإن قُرىء «ولا تقتلوهم» فالمسألة نصّ ، وإن قرىء «ولا تقاتلوهم» فهو تنبيه؛ لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلًا بَيِّنًا ظاهرًا على النهي عن القتل . فاعترض عليه القاضي منتصرًا للشافعيّ ومالك ، وإن لم ير مذهبهما ، على العادة ، فقال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ التوبة: 5 ] . فقال له الصّاغاني: هذا لا يليق بمَنْصِب القاضي وعلمه؛ فإن هذه الآية التي اعترضت بها عامةٌ في الأماكن؛ والتي احتججت بها خاصّة ، ولا يجوز لأحد أن يقول: إن العامَّ يَنْسَخ الخاص . فبُهت القاضي الزّنجاني ، وهذا من بديع الكلام» . قال ابن العربي: «فإن لجأ إليه كافر فلا سبيل إليه ، لنصّ الآية والسُّنة الثابتة بالنّهي عن القتال فيه . وأما الزاني والقاتل فلا بدّ من إقامة الحدّ عليه ، إلا أن يبتدىء الكافرُ بالقتال فيُقتل بنصّ القرآن» .

قلت: وأما ما احتجوا به من قَتل ابن خَطَل وأصحابه فلا حجة فيه ، فإن ذلك كان في الوقت الذي أُحِلّت له مكة وهي دار حَرْب وكُفْر ، وكان له أن يُريق دماء من شاء من أهلها في الساعة التي أُحِلّ له فيها القتال . فثبت وصحّ أن القول الأوّل أصح ، والله أعلم .

الرابعة: قال بعض العلماء: في هذه الآية دليل على أن الباغي على الإمام بخلاف الكافر؛ فالكافرْ يُقتل إذا قاتل بكل حال ، والباغي إذا قاتل بنية الدفع . ولا يُتْبَعُ مُدْبِر ولا يُجْهَز على جريح . على ما يأتي بيانه من أحكام الباغين في «الحجرات» إن شاء الله تعالى .

الخامسة: قوله تعالى: { فَإِنِ انتهوا } أي عن قتالكم بالإيمان فإن الله يغفر لهم جميع ما تقدّم ، ويرحم كلاًّ منهم بالعفو عما اجترم؛ نظيره قوله تعالى: { قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } [ الأنفال: 38 ] . وسيأتي .

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ } أمْرٌ بالقتال لكل مشرك في كل موضع؛ على من رآها ناسخة . ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: { فَإِن قَاتَلُوكُمْ } والأوّل أظهر ، وهو أَمْرٌ بقتالٍ مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار . دليل ذلك قوله تعالى: { وَيَكُونَ الدين للَّهِ } ، وقال عليه السلام:"أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"فدلّت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر؛ لأنه قال: { حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي كفر؛ فجعل الغاية عدم الكفر ، وهذا ظاهر . قال ابن عباس وقتادة والربيع والسُّدّي وغيرهم: الفتنة هناك الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين . وأصل الفتنة: الاختبار والامتحان؛ مأخوذ من فتَنْتُ الفضة إذا أدخلتها في النار لتميّز رديئها من جيّدها . وسيأتي بيان محاملها إن شاء الله تعالى .

الثانية: قوله تعالى: { فَإِنِ انتهوا } أي عن الكفر ، إما بالإسلام كما تقدّم في الآية قبلُ ، أو بأداء الجِزْية في حق أهل الكتاب؛ على ما يأتي بيانه في «براءة» وإلا قوتلوا وهم الظالمون لا عدوان إلا عليهم . وسُمِّيَ ما يصنع بالظالمين عدوانًا من حيث هو جزاء عدوان ، إذ الظلم يتضمن العدوان ، فسُمِّيَ جزاء العدوان عدوانًا؛ كقوله: { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } [ الشورى: 40 ] . والظالمون هم على أحد التأويلين: من بدأ بقتال ، وعلى التأويل الآخر: من بقي على كُفْر وفتنة .

وقال الرازي (1) :

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: الثقف وجوده على وجه الأخذ والغلبة ومنه رجل ثقيف سريع الأخذ لأقرانه ، قال:

فأما تثقفوني فاقتلوني ... فمن أثقف فليس إلى خلود

(1) - تفسير الرازي - (ج 3 / ص 144)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت