فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 1236

ثم نقول قوله تعالى: { اقتلوهم } الخطاب فيه واقع على النبي صلى الله عليه وسلم ومن هاجر معه وإن كان الغرض به لازما لكل مؤمن ، والضمير في قوله: { اقتلوهم } عائد إلى الذين أمر بقتلهم في الآية الأولى وهم الكفار من أهل مكة ، فأمر الله تعالى بقتلهم حيث كانوا في الحل والحرم ، وفي الشهر الحرام ، وتحقيق القول أنه تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام الكفار على المقاتلة ، وفي هذه زاد في التكليف فأمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا ، واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام .

المسألة الثانية: نقل عن مقاتل أنه قال: إن الآية المتقدمة على هذه الآية ، وهي قوله: { وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله الذين يقاتلونكم } [ البقرة: 190 ] منسوخة بقوله تعالى: { وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام } ثم تلك الآية منسوخة بقوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } [ البقرة: 193 ] وهذا الكلام ضعيف .

أما قوله: إن قوله تعالى: { وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله الذين يقاتلونكم } منسوخ بهذه الآية ، فقد تقدم إبطاله ، وأما قوله: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام } فهذا من باب التخصيص لا من باب النسخ ، وأما قوله: { وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام } منسوخ بقوله: { وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } [ البقرة: 193 ] فهو خطأ أيضًا لأنه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم ، وهذا الحكم ما نسخ بل هو باقٍ فثبت أن قوله ضعيف ولأنه يبعد من الحكيم أن يجمع بين آيات متوالية تكون كل واحدة منها ناسخة للأخرى .

أما قوله تعالى: { وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } ففيه بحثان:

البحث الأول: أن الإخراج يحتمل وجهين أحدهما: أنهم كلفوهم الخروج قهرًا والثاني: أنهم بالغوا في تخويفهم وتشديد الأمر عليهم ، حتى صاروا مضطرين إلى الخروج .

البحث الثاني: أن صيغة { حَيْثُ } تحتمل وجهين أحدهما: أخرجوهم من الموضع الذي أخرجوكم وهو مكة والثاني: أخرجوهم من منازلكم ، إذا عرفت هذا فنقول: أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن يخرجوا أولئك الكفار من مكة إن أقاموا على شركهم إن تمكنوا منه ، لكنه كان في المعلوم أنهم يتمكنون منه فيما بعد ، ولهذا السبب أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مشرك من الحرم . ثم أجلاهم أيضًا من المدينة ، وقال عليه الصلاة والسلام: « لا يجتمع دينان في جزيرة العرب »

أما قوله تعالى: { والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل } ففيه وجوه أحدها: وهو منقول عن ابن عباس: أن المراد من الفتنة الكفر بالله تعالى ، وإنما سمي الكفر بالفتنة لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم والهرج ، وفيه الفتنة ، وإنما جعل الكفر أعظم من القتل ، لأن الكفر ذنب يستحق صاحبه به العقاب الدائم ، والقتل ليس كذلك ، والكفر يخرج صاحبه به عن الأمة ، والقتل ليس كذلك فكان الكفر أعظم من القتل ، وروي في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة كان قتل رجلًا من الكفار في الشهر الحرام ، فالمؤمنون عابوه على ذلك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فكان المعنى ليس لكم أن تستعظموا الإقدام على القتل في الشهر الحرام ، فإن إقدام الكفار على الكفر في الشهر الحرام أعظم من ذلك وثانيها: أن الفتنة أصلها عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغش ، ثم صار إسمًا لكل ما كان سببًا للامتحان تشبيهًا بهذا الأصل ، والمعنى: أن إقدام الكفار على الكفر وعلى تخويف المؤمنين ، وعلى تشديد الأمر عليهم بحيث صاروا ملجئين إلى ترك الأهل والوطن هربًا من إضلالهم في الدين ، وتخليصًا للنفس مما يخافون ويحذرون ، فتنة شديدة بل هي أشد من القتل الذي يقتضي التخليص من غموم الدنيا وآفاتها ، وقال بعض الحكماء: ما أشد من هذا القتل الذي أوجبه عليكم جزاء غير تلك الفتنة .

الوجه الثالث: أن يكون المراد من الفتة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم ، فكأنه قيل: اقتلوهم من حيث ثقفتموهم ، واعلم أن وراء ذلك من عذاب الله ما هو أشد منه كقوله: { وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ } [ التوبة: 52 ] وإطلاق اسم الفتنة على العذاب جائز ، وذلك من باب إطلاق اسم السبب على المسبب ، قال تعالى: { يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ } [ الذاريات: 13 ] ثم قال عقيبه: { ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ } [ الذاريات: 14 ] أي عذابكم ، وقال: { إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات } [ البروج: 10 ] أي عذبوهم ، وقال: { فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله } [ العنكبوت: 10 ] أي عذابهم كعذابه .

الوجه الرابع: أن يكون المراد فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام ، أشد من قتلكم إياهم في الحرم ، لأنهم يسعون في المنع من العبودية والطاعة التي ما خلقت الجن والإنس إلا لها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت