الوجه الخامس: أن ارتداد المؤمن أشد عليه من أن يقتل محقًا والمعنى: وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فإنكم إن قتلتم وأنتم على الحق كان ذلك أولى بكم وأسهل عليكم من أن ترتدوا عن دينكم أو تتكاسلوا في طاعة ربكم .
أما قوله: { وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ } ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: هذا بيان لبقاء هذا الشرط في قتالهم في هذه البقعة خاصة ، وقد كان من قبل شرطًا في كل القتال وفي الأشهر الحرم .
المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي: { وَلاَ تقاتلوهم حتى يقاتلوكم فَإِن قاتلوكم } كله بغير ألف ، والباقون جميع ذلك بالألف ، وهو في المصحف بغير ألف ، وإنما كتبت كذلك للإيجاز ، كما كتب: الرحمن بغير ألف ، وكذلك: صالح ، وما أشبه ذلك من حروف المد واللين ، قال القاضي رحمه الله: القراءتان المشهورتان إذا لم يتناف العمل وجب العمل بهما ، كما يعمل بالآيتين إذا لم يتناف العمل بهما ، وما يقتضيه هاتان القراءتان المشهورتان لا تنافي فيه ، فيجب العمل بهما ما لم يقع النسخ فيه ، يروى أن الأعمش قال لحمزة: أرأيت قراءتك إذا صار الرجل مقتولًا فبعد ذلك كيف يصير قاتلًا لغيره؟ فقال حمزة: إن العرب إذا قتل رجل منهم قالوا قتلنا ، وإذا ضرب رجل منهم قالوا ضربنا .
المسألة الثالثة: الحنفية تمسكوا بهذه الآية في مسألة الملتجيء إلى الحرم ، وقالوا: لما لم يجز القتل عند المسجد الحرام بسبب جناية الكفر فلأن لا يجوز القتل في المسجد الحرام بسبب الذنب الذي هو دون الكفر كان أولى ، وتمام الكلام فيه في كتب الخلاف .
أما قوله تعالى: { فَإِنِ انتهوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فاعلم أنه تعالى أوجب عليهم القتال على ما تقدم ذكره ، وكان يجوز أن يقدر أن ذلك القتال لا يزول وإن انتهوا وتابوا كما ثبت في كثير من الحدود أن التوبة لا تزيله ، فقال تعالى بعدما أوجب القتل عليهم: { فَإِنِ انتهوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بين بهذا أنهم متى انتهوا عن ذلك سقط وجوب القتل عنهم ، ونظيره قوله تعالى: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } [ الأنفال: 38 ] وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قال ابن عباس: فإن انتهوا عن القتال وقال الحسن: فإن انتهوا عن الشرك .
حجة القول الأول: أن المقصود من الإذن في القتال منع الكفار عن المقاتلة فكان قوله: { فَإِنِ انْتَهَوْاْ } محمولًا على ترك المقاتلة .
حجة القول الثاني: أن الكافر لا ينال غفران الله ورحمته بترك القتال ، بل بترك الكفر .
المسألة الثانية: الانتهاء عن الكفر لا يحصل في الحقيقة إلا بأمرين أحدهما: التوبة والآخر التمسك بالإسلام ، وإن كان قد يقال في الظاهر لمن أظهر الشهادتين: إنه انتهى عن الكفر إلا أن ذلك إنما يؤثر في حقن الدم فقط . أما الذي يؤثر في استحقاق الثواب والغفران والحرمة فليس إلا ما ذكرنا .
المسألة الثالثة: دلت الآية على أن التوبة من كل ذنب مقبولة ، وقول من قال: التوبة عن القتل العمد غير مقبولة خطأ ، لأن الشرك أشد من القتل ، فإذا قبل الله توبة الكافر فقبول توبة القاتل أولى ، وأيضًا فالكافر قد يكون بحيث جمع مع كونه كافرًا كونه قاتلًا . فلما دلت الآية على قبول توبة كل كافر دل على أن توبته إذا كان قاتلًا مقبولًا والله أعلم .
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)
فيه مسائل:
المسألة الأولى: قال القوم: هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: { وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ } [ البقرة: 191 ] والصحيح أنه ليس كذلك لأن البداية بالمقاتلة عند المسجد الحرام نفت حرمته أقصى ما في الباب أن هذه الصفة عامة ولكن مذهب الشافعي رضي الله عنه وهو الصحيح أن العام سواء كان مقدمًا على المخصص أو متأخرًا عنه فإنه يصير مخصوصًا به والله أعلم .
المسألة الثانية: في المراد بالفتنة ههنا وجوه أحدهما: أنها الشرك والفكر ، قالوا: كانت فتنتهم أنهم كانوا يضربون ويؤذون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة حتى ذهبوا إلى الحبشة ثم واظبوا على ذلك الإيذاء حتى ذهبوا إلى المدينة وكان غرضهم من إثارة تلك الفتنة أن يتركوا دينهم ويرجعوا كفارًا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمعنى: قاتلوهم حتى تظهروا عليهم فلا يفتنوكم عن دينكم فلا تقعوا في الشرك وثانيها: قال أبو مسلم: معنى الفتنة ههنا الجرم قال: لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدؤا به كان فتنة على المؤمنين لما يخافون عنده من أنواع المضار . فإن قيل: كيف يقال: { وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } مع علمنا بأن قتالهم لا يزيل الكفر وليس يلزم من هذا أن خبر الله لا يكون حقًا .