فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 1236

فلما قرأ الكتاب قال: سمعًا وطاعةً؛ ثم أخبر أصحابه بذلك ، وبأنه لا يستكره أحدًا منهم ، وأنه ناهضٌ لوجهه بمن أطاعه ، وأنه إن لم يطعه أحد مضى وَحْدَه؛ فمن أحبّ الشهادة فلْيَنْهَضَ ، ومن كره الموت فليرجع . فقالوا: كلنا نرغب فيما ترغب فيه ، وما مِنّا أحدٌ إلا وهو سامعٌ مطيعٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونهضوا معه؛ فسلك على الحجاز ، وشَرَد لسعد بن أبي وَقّاص وعُتْبة بن غَزْوان جمل كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ، ونَفَذ عبد الله بن جحش مع سائرهم لوجهه حتى نزل بنخلة؛ فمرّت بهم عِيرٌ لقريش تحمل زبيبا وتجارة فيها عمرو بن الحضرميّ واسم الحضرميّ عبد الله بن عَبّاد من الصَّدَف ، والصّدَف بطن من حضرموت وعثمانُ بن عبد الله بن المغيرة ، وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميّان ، والحَكَم بن كَيْسان مولى بني المغيرة؛ فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام؛ فإن نحن قاتلناهم هتكنا حرمة الشهر الحرام: وإن تركناهم الليلة دخلوا الحَرَم؛ ثم اتفقوا على لقائهم ، فرمى واقدُ بن عبد الله التميميُّ عمرو بن الحضرميّ فقتله ، وأسروا عثمان بن عبد الله والحَكَم بن كَيْسان ، وأَفْلَتَ نوفلُ بن عبد الله؛ ثم قدموا بالعِير والأسيرَين ، وقال لهم عبد الله ابن جحش: اعزلوا مما غَنِمْنا الخمُس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلوا؛ فكان أوّل خُمُس في الإسلام ، ثم نزل القرآن: { واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } [ الأنفال: 41 ] فأقرّ الله ورسولُه فعلَ عبدِ الله بن جحش ورضيَه وسنّه للأُمة إلى يوم القيامة؛ وهي أوّل غنِيمة غنمت في الإسلام ، وأوّل أمير ، وعمرو بن الحضرميّ أوّل قتيل . وأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل ابن الحضرميّ في الشهر الحرام ، فسُقط في أيدي القوم؛ فأنزل الله عز وجل: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ } إلى قوله: { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } . وقَبِل رسول الله صلى الله عليه وسلم الفِداء في الأسيرين؛ فأما عثمان بن عبد الله فمات بمكة كافرًا ، وأما الحَكَم بن كَيْسان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استُشهد ببئر مَعُونَة ، ورجع سعد وعتبة إلى المدينة سالمين . وقيل: إن انطلاق سعد ابن أبي وَقّاص وعُتْبة في طلب بعيرهما كان عن إذْنٍ من عبد الله ابن جحش ، وإن عمرو بن الحَضْرَميّ وأصحابه لما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم؛ فقال عبد الله بن جحش: إن القوم قد فزِعوا منكم ، فاحلِقوا رأس رجل منكم فليتعرّض لهم ، فإذا رأُوْهُ محلوقًا أمنوا وقالوا: قوم عُمّار لا بأس عليكم ، وتشاوروا في قتالهم ، الحديث . وتفاءلت اليهود وقالوا: واقدٌ وقَدَتِ الحربُ ، وعمرُو عمرت الحربُ ، والحضرميّ حضرت الحربُ .

وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم؛ فقال: لا نُفْديهما حتى يَقْدَم سعدٌ وعتبة ، وإن لم يَقْدَما قتلناهما بهما؛ فلما قَدِما فاداهما؛ فأما الحكمَ فأسلم وأقام بالمدينة حتى قُتل يوم بئر مَعُونَة شهيدًا ، وأما عثمان فرجع إلى مكة فمات بها كافرًا ، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخَنْدق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطّما جميعًا فقتله الله تعالى؛ وطلب المشركون جيفته بالثمن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدِّية » فهذا سبب نزول قوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام } . وذكر ابن إسحاق أن قَتْل عمرو بن الحضرميّ كان في آخر يوم من رجب؛ على ما تقدّم . وذكر الطبريّ عن السُّديّ وغيره أن ذلك كان في آخر يوم من جمادى الآخرة ، والأوّل أشهر؛ على أن ابن عباس قد ورد عنه أن ذلك كان في أوّل ليلة من رجب ، والمسلمون يظنونها من جمادى . قال ابن عطية: وذكر الصاحب بن عَبّاد في رسالته المعروفة بالأسدية أن عبد الله بن جحش سُمِّي أمير المؤمنين في ذلك الوقت لكونه مؤمّرًا على جماعة من المؤمنين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت