فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 1236

الثانية واختلف العلماء في نسخ هذه الآية؛ فالجمهور على نسخها ، وأن قتال المشركين في الأشهر الحُرُم مباح . واختلفوا في ناسخها؛ فقال الزهريّ: نسخها { وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً } [ التوبة: 36 ] . وقيل: نَسَخها غَزْوُ النبيّ صلى الله عليه وسلم ثَقِيفًا في الشهر الحرام ، وإغزاؤه أبا عامر إلى أَوْطَاس في الشهر الحرام . وقيل: نَسَخها بيعة الرِّضوان على القتال في ذي القعدة ، وهذا ضعيف؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتل عثمان بمكة وأنهم عازمون على حربه بايع حينئذ المسلمين على دفعهم لا على الابتداء بقتالهم . وذكر البيهقيّ عن عُروة بن الزبير من غير حديث محمد بن إسحاق في أثر قصة الحضرميّ: فأنزل الله عز وجل { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ } الآية ، قال: فحدّثهم الله في كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان ، وأن الذي يستحلّون من المؤمنين هو أكبر من ذلك من صدّهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذّبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكفرهم بالله وصدّهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعُمْرة والصلاة فيه ، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سُكّانه من المسلمين ، وفتنتهم إيّاهم عن الدِّين؛ فبلغنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم عَقَل ابن الحَضَرْميّ وحرم الشهر الحرام كما كان يحرّمه ، حتى أنزل الله عز وجل: { بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ } [ التوبة: 1 ] . وكان عطاء يقول: الآية مُحْكَمة ، ولا يجوز القتال في الأشهر الحُرُم ، ويحلف على ذلك؛ لأن الآيات التي وردت بعدها عامة في الأزمنة ، وهذا خاص والعام لا ينسخ الخاص باتفاق .

وروى أبو الزبير عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يُغْزَى .

الثالثة قوله تعالى: { قِتَالٍ فِيهِ } «قتال» بدل عند سيبويه بدل اشتمال ، لأن السؤال اشتمل على الشهر وعلى القتال ، أي يسألك الكفار تَعجُّبًا من هتك حُرْمة الشهر ، فسؤالهم عن الشهر إنما كان لأجل القتال فيه . قال الزجاج: المعنى يسألونك عن القتال في الشهر الحرام . وقال القُتَبيّ: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام هل يجوز؟ فأبدل قتالا من الشهر؛ وأنشد سيبويه:

فما كان قيسٌ هُلْكُه هُلْكَ واحدٍ ... ولكنه بُنيانُ قومٍ تَهدَّمَا

وقرأ عكرمة «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قَتْلٍ فيه قُلْ قتلٌ» بغير ألف فيهما . وقيل: المعنى يسألونك عن الشهر الحرام وعن قتال فيه؛ وهكذا قرأ ابن مسعود؛ فيكون مخفوضًا بعن على التّكرير ، قاله الكسائيّ . وقال الفرّاء: هو مخفوض على نية عن . وقال أبو عبيدة: هو مخفوض على الجوار . قال النحاس: لا يجوز أن يُعربَ الشيء على الجوار في كتاب الله ولا في شيء من الكلام ، وإنما الجوار غلط؛ وإنما وقع في شيء شاذ ، وهو قولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ؛ والدليل على أنه غلط قول العرب في التّثنية: هذان: حجرا ضَبّ خَرِبان ، وإنما هذا بمنزلة الإقواء ، ولا يجوز أن يحمل شيء من كتاب الله على هذا ، ولا يكون إلا بأفصح اللغات وأصحها . قال ابن عطية: وقال أبو عبيدة: هو خفض على الجوار؛ وقوله هذا خطأ . قال النحاس: ولا يجوز إضمار عن؛ والقول فيه أنه بدل . وقرأ الأعرج «يَسْأَلُونكَ عَنِ الشَّهْرِ الحرام قتالٌ فيه» بالرفع . قال النحاس: وهو غامض في العربية ، والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه؟ فقوله: «يسألونك» يدل على الاستفهام؛ كما قال امرؤ القيس:

أَصاحِ تَرى بَرْقًا أُرِيكَ وَمِيضَه ... كَلَمْعِ اليدَيْن في حَبيٍّ مُكَلَّلِ

والمعنى: أترى برقًا ، فحذف ألف الاستفهام؛ لأن الألف التي في «أصاح» تدل عليها وإن كانت حرف نداء؛ كما قال الشاعر:

تَرُوحُ مِن الحَيّ أم تَبْتَكِر ... والمعنى: أتروح؛ فحذف الألف لأن أم تدل عليها .

الرابعة قوله تعالى: { قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } ابتداء وخبر ، أي مستنكر؛ لأن تحريم القتال في الشهر الحرام كان ثابتًا يومئذ إذ كان الابتداء من المسلمين . والشهر في الآية اسم جنس ، وكانت العرب قد جعل الله لها الشهر الحرام قوامًا تعتدل عنده ، فكانت لا تسفك دمًا ، ولا تُغير في الأشهر الحُرُم ، وهي رجب وذو القَعدة وذو الحجة والمحرّم؛ ثلاثة سَرْد وواحد فَرْد . وسيأتي لهذا مزيد بيان في «المائدة» إن شاء الله تعالى .

الخامسة قوله تعالى: { وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله } ابتداء { وَكُفْرٌ بِهِ } عطف على «صدّ» { والمسجد الحرام } عطف على سبِيلِ اللَّهِ { وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ } عطف على صدّ ، وخبر الابتداء { أَكْبَرُ عِندَ الله } أي أعظم إثما من القتال في الشهر الحرام؛ قاله المَبرّد وغيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت