فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 1236

وقال آخرون: يستتاب ثلاثًا ، على ما رُوي عن عمر وعثمان ، وهو قول مالك رواه عنه ابن القاسم . وقال الحسن: يستتاب مائة مرة ، وقد رُوي عنه أنه يقتل دون استتابة ، وبه قال الشافعيّ في أحد قوليه ، وهو أحد قولي طاوس وعُبيد بن عُمير . وذكر سُحْنون أن عبد العزيز بن أبي سَلَمة الماجِشُون كان يقول: يقتل المرتد ولا يستتاب؛ واحتج بحديث معاذ وأبي موسى ، وفيه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما بعث أبا موسى إلى اليمن أتبعه معاذَ بن جبل فلما قدِم عليه قال: انزل ، وألقى إليه وسادة ، وإذا رجل عنده مُوثَق ، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديًا فأسلم ثم راجع دينه دين السّوء فتهوّد . قال: لا أجلس حتى يُقتل ، قضاءُ الله ورسوله؛ فقال: اجلس . قال: ( نعم ) لا أجلس حتى يُقتل ، قضاءُ الله ورسولِه ثلاث مرات فأمَر به فقُتل؛ خرجّه مسلم وغيره . وذكر أبو يوسف عن أبي حنيفة أن المرتدّ يُعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قُتل مكانه ، إلا أن يطلب أن يُؤجَّل ، فإن طلب ذلك أُجِّل ثلاثة أيام؛ والمشهور عنه وعن أصحابه أن المرتدّ لا يقتل حتى يستتاب . والزنديق عندهم والمرتدّ سواء . وقال مالك: وتقتل الزنادقة ولا يستتابون . وقد مضى هذا أوّل «البقرة» . واختلفوا فيمن خرج من كفر إلى كفر؛ فقال مالك وجمهور الفقهاء: لا يُتعرّض له؛ لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه في الابتداء لأقرّ عليه . وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعيّ أنه يقتل؛ لقوله عليه السلام:"من بدّل دينه فاقتلوه"ولم يخص مسلمًا من كافر . وقال مالك: معنى الحديث من خرج من الإسلام إلى الكفر ، وأمّا من خرج من كفر إلى كفر فلم يُعن بهذا الحديث؛ وهو قول جماعة من الفقهاء . والمشهور عن الشافعي ما ذكره المُزَنِيّ والربيع أن المبدِّل لدينه من أهل الذِّمة يُلحقه الإمام بأرض الحرب ويُخرجه من بلده ويستحلّ ماله مع أموال الحربيّين إن غلب على الدار؛ لأنه إنما جَعل له الذِّمة على الدِّين الذي كان عليه في حين عقد العهد . واختلفوا في المرتدّة؛ فقال مالك والأُوزاعيّ والشافعيّ والليث بن سعد: تُقتل كما يُقتل المرتدّ سواء؛ وحجتهم ظاهر الحديث:"من بدّل دينه فاقتلوه"و «مَن» يصلح للذّكرَ والأُنثى . وقال الثوريّ وأبو حنيفة وأصحابه: لا تقتل المرتدّة؛ وهو قول ابن شُبْرُمة ، وإليه ذهب ابن عُلَيَّة ، وهو قول عطاء والحسن . واحتجوا بأن ابن عباس روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من بدّل دينه فاقتلوه"ثم إن ابن عباس لم يَقتل المرتدّة ، ومن روى حديثًا كان أعلم بتأويله؛ ورُوي عن عليّ مثله . ونَهى صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان . واحتج الأوّلون بقوله عليه السلام: « لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان » فعمّ كل من كفر بعد إيمانه؛ وهو أصح .

العاشرة قال الشافعيّ: إن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام لم يَحبط عمله ولا حَجَّه الذي فرغ منه؛ بل إن مات على الردّة فحينئذ تَحبط أعماله . وقال مالك: تحبط بنفس الردّة؛ ويظهر الخلاف في المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم؛ فقال مالك: يلزمه الحج ، لأن الأوّل قد حبط بالردّة . وقال الشافعيّ: لا إعادة عليه ، لأن عمله باق . واستظهر علماؤنا بقوله تعالى: { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر: 65 ] . قالوا: وهو خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أُمته؛ لأنه عليه السلام يستحيل منه الردّة شرعًا . وقال أصحاب الشافعيّ: بل هو خطاب النبيّ صلى الله عليه وسلم على طريق التغليظ على الأُمة ، وبيان أن النبيّ صلى الله عليه وسلم على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله؛ فكيف أنتم! لكنه لا يشرك لفضل مرتبته؛ كما قال: { يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ } [ الأحزاب: 30 ] وذلك لشرف منزلتهنّ؛ وإلا فلا يتصوّر إتيان منهنّ صيانة لزوجهنّ المُكَرّم المُعَظَّم؛ ابن العربي . وقال علماؤنا: إنما ذكر الله الموافاة شرطًا هاهنا لأنه علّق عليها الخلود في النار جزاء؛ فمن وافَى على الكفر خلّده الله في النار بهذه الآية ، ومن أشرك حَبط عمله بالآية الأُخرى ، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين وحكمين متغايرين . وما خوطب به عليه السلام فهو لأُمته حتى يثبت اختصاصه ، وما ورد في أزواجه فإنما قيل ذلك فيهنّ ليُبيِّن أنه لو تُصوّر لكان هَتْكان أحدهما لحُرْمة الدِّين ، والثاني لحرمة النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ولكلِّ هَتْكِ حُرْمَةٍ عقابٌ؛ وينزّل ذلك منزلة من عصى في الشهر الحرام أو في البلد الحرام أو في المسجد الحرام ، يضاعف عليه العذاب بعدد ما هتك من الحرمات . والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت