فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 1236

قوله تعالى: { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت } أي الشهادة من قبل أن تلقوه . وقرأ الأعمش { مِنْ قَبْلِ أَنْ تُلاَقُوهُ } أي من قبل القتل . وقيل: من قبل أن تلقوا أسباب الموت؛ وذلك أن كثيرًا ممن لم يحضروا بدرًا كانوا يتَمنَّون يومًا يكون فيه قِتال ، فلما كان يوم أُحُد انهزموا ، وكان منهم من تجلّد حتى قُتل ، ومنهم أنس بن النضر عم أنس بن مالك ، فإنه قال لما انكشف المسلمون: اللّهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ، وباشر القتال وقال: إِيْهًا إنها ريح الجنةا إني لأجدها ، ومضى حتى استشهد . قال أنس: فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بِضعًا وثمانين جراحة . وفيه وفي أمثاله نزل { رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ } [ الأحزاب: 23 ] . فالآية عِتاب في حق من انهزم ، لا سِيّما وكان منهم حَمْلٌ للنبيّ صلى الله عليه وسلم على الخروج من المدينة ، وسيأتي . وتَمنِّي الموت يرجع من المسلمين إلى تَمنِّي الشهادة المبنية على الثبات والصبر على الجهاد ، لا إلى قتل الكفار لهم؛ لأنه معصيةٌ وكفرٌ ولا يجوز إرادة المعصية ، وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم الشهادة ، فيسألون الصبر على الجهاد وإن أدّى إلى القتل .

قوله تعالى: { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } قال الأخفش: هو تكرير بمعنى التأكيد لقوله: { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } مثل { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام: 38 ] . وقيل: معناه وأنتم بُصَرَاء ليس في أعينكم عِلَلٌ؛ ( كما ) تقول: قد رأيت كذا وكذا وليس في عينيك عِلّة ، أي فقد رأيته رؤية حقيقة؛ وهذا راجع إلى معنى التوكيد . وقال بعضهم: { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } إلى محمد صلى الله عليه وسلم . وفي الآية إضمار ، أي فقد رأيتموه وأنتم تنظرون فلِمَ انهزمتم؟ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت