الأولى: قوله تعالى: { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ } أي يكرمكم بالشهادة؛ أي لِيُقتلَ قومٌ فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم . وقيل: لهذا قيل شهيد: وقيل: سمي شهيدًا لأنه مشهود له بالجنة وقيل: سمى شهيدًا لأن أرواحهم احتضرت دار السلام ، لأنهم أحياء عند ربهم ، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة؛ فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة ، وهذا هو الصحيح على ما يأتي والشهادة فضلها عظيم ، ويكفيك في فضلها قوله تعالى: { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ } [ التوبة: 111 ] الآية . وقوله: { ياأيها الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } [ الصف: 10 ] إلى قوله تعالى: { ذَلِكَ الفوز العظيم } [ الصَّف: 12 ] . وفي صحيح البُسْتيّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما يجِد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدُكم من القُرْحة"وروى النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلًا قال: يا رسول الله ، ما بال المؤمنين يُفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال:"كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة"وفي البخاري: «من قُتل من المسلمين يوم أُحد» منهم حمزةُ واليَمَان والنضر بن أنس ومصعب بن عُمير . حدّثني عمرو بن عليّ أن معاذ بن هشام قال حدّثني أبي عن قتادة قال: «ما نعلم حيًّا من أحياء العرب أكثر شهيدًا أعزّ يوم القيامة من الأنصار قال قتادة: وحدّثنا أنس بن مالك أنه قُتل منهم يوم أُحُد سبعون ، ويوم بِئْر مَعُونَة سبعون ، ويوم اليَمَامَة سبعون .
قال: وكان بئر معونة على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ويوم اليَمَامةَ على عهد أبي بكر يوم مُسَيْلِمة الكذّاب» وقال أنس:"أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعليّ بن أبي طالب وبه نيف وسِتون جراحة من طعنةٍ وضربةٍ ورمْيَةٍ ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسحها وهي تَلْتَئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن". الثانية: في قوله تعالى: { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ } دليل على أن الإرادة غير الأمر كما يقوله أهل السنة؛ فإن الله تعالى نهى الكفار عن قتل المؤمنين: حمزةَ وأصحابِه وأراد قتلهم ، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأراده فواقَعه آدم ، وعكسه أنه أمر إبليس بالسجود ولم يرِده فامتنع منه؛ وعنه وقعت الإشارة بقوله الحق: { ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ } [ التوبة: 46 ] . وإِن كان قد أمر جميعهم بالجهاد ، ولكنه خلق الكَسَل والأسباب القاطعة عن المسِير فقعدوا .
الثالثة: رُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:"جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال له: «خَيِّر أصحابك في الأسارى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفِداء على أن يقتل منهم عام المقبِل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا» "أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن . فأنجز الله وعده بشهادة أوليائه بعد أن خَيَّرهم فاختاروا القتل . { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } أي المشركين ، أي وإِن أنال الكفارَ من المؤمنين فهو لا يحِبُّهم ، وإن أحلّ ألَمًا بالمؤمنين فإنه يحب المؤمنين .
فيه ثلاثة أقوال: يُمحِّص يختبر . الثاني يطهِّر؛ أي من ذنوبهم فهو على حذف مضاف . المعنى: وليمحص الله ذنوب الذين آمنوا؛ قاله الفرّاء . الثالث يمحِّص يخلِّص؛ فهذا أغْرَبُها . قال الخليل: يقال مَحِصَ الحبلُ يَمْحَص مَحْصًا إذا انقطع وَبَرُه؛ ومنه «اللّهم محِّص عنا ذنبوبنا» أي خلصنا من عقوبتها . وقال أبو إسحاق الزجاج: قرأت على محمد بن يزيد عن الخليل: التمحيص التخليص . يقال: محَّصَه ( يمحصه ) مَحْصًا إِذا خلصه؛ فالمعنى عليه ليبتلي المؤمنين ليُثِيبهم ويخلِّصهم من ذنوبهم . { وَيَمْحَقَ الكافرين } أي يستأصلهم بالهلاك .
«أم» بمعنى بل . وقيل: الميم زائدة ، والمعنى أحسبتم يا من انهزم يوم أحد أن تدخلوا الجنة كما دخل الّذين قُتلوا وصبروا على ألَمِ الجِراح والقتل من غير أن تَسْلُكوا طريقهم وتصبروا صبرهم لا؛ حتى { يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ } أي عِلْم شهادة حتى يقع عليه الجزاء . والمعنى: ولم تجاهدوا فيعلم ذلك منكم؛ فلما بمعنى لم . وفرق سيبويه بين «لم» و «لما» ، فزعم أن «لم يَفعلْ» نفى فَعَل ، وأن «لَمّا يفعلْ» . نفى قد فَعَل . { وَيَعْلَمَ الصابرين } منصوب بإضمار أن؛ عن الخليل . وقرأ الحسن ويحيى بن يَعمَر «يَعْلَمِ الصَّابرينَ» بالجزم على النسق . وقرىء بالرفع على القطع ، أي وهو يعلم . وروى هذه القراءة عبد الوارث عن أبي عمرو . وقال الزجاج . الواو هنا بمعنى حتى ، أي ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم حتى يعلم صبرهم كام تقدّم آنفًا .