فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 1236

قال تعالى: { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32) } سورة القمر

قال القرطبي (1) :

قوله تعالى: { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر } هم قوم صالح كذبوا الرسل ونبيهم ، أو كذّبوا بالآيات التي هي النذر { فقالوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ } وندع جماعة . وقرأ أبو الأشهب وابن السَّمَيْقَع وأبو السَّمَّال العدويّ «أَبَشَرٌ» بالرفع «وَاحِدٌ» كذلك رفع بالابتداء والخبر «نَتَّبِعُهُ» . الباقون بالنصب على معنى أنتبع بشرًا منا واحدًا نتبعه . وقرأ أبو السَّمَّال: «أَبَشَرٌ» بالرفع «مِنَّا واحِدًا» بالنصب ، رفع «أَبَشَرٌ» بإضمار فعل يدل عليه { أَأُلْقِيَ } كأنه قال: أينبّأ بشر منّا ، وقوله: «وَاحِدًا» يجوز أن يكون حالًا من المضمر في «مِنَّا» والناصب له الظرف ، والتقدير أينبأ بشر كائن منّا منفردًا؛ ويجوز أن يكون حالًا من الضمير في { نَّتَّبِعُهُ } منفردًا لا ناصر له . { إِنَّآ إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ } أي ذهاب عن الصواب { وَسُعُرٍ } أي جنون ، من قولهم: ناقة مسعورة ، أي كأنها من شدة نشاطها مجنونة ، ذكره ابن عباس . قال الشاعر يصف ناقته:

تَخالُ بها سُعْرًا إذا السَّفْرُ هَزَّهَا ... ذَمِيلٌ وإيقاعٌ من السَّيْرِ مُتْعِبُ

الذميل ضرب من سير الإبل . قال أبو عبيد: إذا ارتفع السير عن العَنَق قليلًا فهو التّزيُّد ، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الذميل ، ثم الرَّسيم؛ يقال: ذمَل يَذْمُل ويَذمِل ذميلًا . قال الأصمعي: ولا يَذمُل بعير يومًا وليلةً إلا مَهْرِيٌّ قاله . وقال ابن عباس أيضًا: السُّعر العذاب ، وقاله الفراء . مجاهد: بعد الحق . السديّ: في احتراق . قال:

أصحوتَ اليومَ أَمْ شَاقَتْكَ هِرّ ... ومِنَ الْحُبِّ جُنُونٌ مُسْتَعِرْ

أي متقد ومحترق . أبو عبيدة: هو جمع سعير وهو لهيب النار . والبعير المجنون يذهب كذا وكذا لما يتلهب به من الحدّة . ومعنى الآية: إنَّا إذًا لفي شقاء وعناء مما يلزمنا .

قوله تعالى: { أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا } أي خصص بالرسالة من بين آل ثمود وفيهم من هو أكثر مالًا وأحسن حالًا؟! وهو استفهام معناه الإنكار . { بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } أي ليس كما يدّعيه ، وإنما يريد أن يتعاظم ويلتمس التكبر علينا من غير استحقاق . والأَشَر المَرَح والتَجَبُّر والنّشاط . يقال: فرس أَشِر إذا كان مرحًا نشيطًا؛ قال امرؤ القيس يصف كلبًا:

فيدركنا فَغِمٌ داجِنٌ ... سمِيعٌ بِصيرٌ طَلُوبٌ نَكِرْ

أَلَصُّ الضُّرُوسِ حَنِيُّ الضُّلُوعِ ... تَبُوعٌ أَرِيبٌ نَشيطٌ أَشِرْ

وقيل: «أَشِرٌ» بَطِر . والأَشَر البَطَر؛ قال الشاعر:

أَشِرْتُمْ بلُبْس الخَزِّ لمّا لَبِسْتُمُ ... ومِن قبلُ ما تَدْرونَ مَنْ فَتَحَ الْقُرَى

وقدأشِر بالكسر يأشَر أَشَرًا فهو أَشِر وأَشْران ، وقوم أشَارى مثل سَكْران وسُكَارى؛ قال الشاعر:

وخَلَّتْ وُعُولًا أَشَارَى بها ... وقد أَزْهَفَ الطَّعْنُ أبطالَهَا

وقيل: إنه المتعدي إلى منزلة لا يستحقها؛ والمعنى واحد . وقال ابن زيد وعبد الرحمن بن حماد: الأشِر الذي لا يبالي ما قال . وقرأ أبو جعفر وأبو قِلابة «أَشَرُّ» بفتح الشين وتشديد الراء يعني به أشرنا وأخبثنا . { سَيَعْلَمُونَ غَدًا } أي سيرون العذاب يوم القيامة ، أو في حال نزول العذاب بهم في الدنيا .

وقرأ ابن عامر وحمزة بالتاء على أنه من قول صالح لهم على الخطاب . الباقون بالياء إخبار من الله تعالى لصالح عنهم . وقوله: «غَدًا» على التقريب على عادة الناس في قولهم للعواقب: إن مع اليوم غدًا؛ قال:

للموتِ فيها سِهامٌ غير مُخْطِئَةٍ ... مَنْ لم يكن مَيِّتًا في اليومِ ماتَ غَدَا

وقال الطرِمَّاح:

أَلاَ عَلِّلاَنِي قبل نَوْحِ النَّوَائِح ... وقَبْلَ اضطراب النَّفْسِ بَين الْجَوَانِح

وقبلَ غَدٍ يا لَهْفَ نفسي على غَدٍ ... إذا رَاحَ أصحابي ولستُ برائِح

إنما أراد وقت الموت ولم يرد غدًا بعينه . { مَّنِ الكذاب الأشر } وقرأ أبو قِلابة «الأَشَرُّ» بفتح الشين وتشديد الراء جاء به على الأصل . قال أبو حاتم: لا تكاد العرب تتكلم بالأَشَرّ والأَخيَر إلا في ضرورة الشعر؛ كقول رؤبة:

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 5395)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت