بِلاَلٌ خَيْرُ الناسِ وابن الأَخْيَر ... وإنما يقولون هو خير قومه ، وهو شر الناس؛ قال الله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [ آل عمران: 110 ] وقال: { فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا } [ مريم: 75 ] . وعن أبي حيوة بفتح الشين وتخفيف الراء . وعن مجاهد وسعيد بن جُبير ضم الشين والراء والتخفيف ، قال النحاس: وهو معنى «الأشِر» ومثله رجل حَذِر وحَذُر .
قوله تعالى: { إِنَّا مُرْسِلُو الناقة } أي مخرجوها من الهضبة التي سألوها ، فروي أن صالحًا صلى ركعتين ودعا فانصدعت الصخرة التي عينوها عن سنامها ، فخرجت ناقة عُشَراء وبراء . { فِتْنَةً لَّهُمْ } أي اختبارا وهو مفعول له . { فارتقبهم } أي انتظر ما يصنعون . { واصطبر } أي اصبر على أذاهم ، وأصل الطاء في اصطبر تاء فتحوّلت طاء لتكون موافقة للصاد في الإطباق . { وَنَبِّئْهُمْ } : أي أخبرهم { أَنَّ المآء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ } أي بين آل ثمود وبين الناقة ، لها يوم ولهم يوم ، كما قال تعالى: { لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } [ الشعراء: 155 ] قال ابن عباس: كان يوم شِربهم لا تشرب الناقة شيئًا من الماء وتسقيهم لبنًا وكانوا في نعيم ، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كلّه فلم تُبق لهم شيئًا . وإنما قال: «بَيْنَهُمْ» لأن العرب إذا أخبروا عن بني آدم مع البهائم غلّبوا بني آدم . وروى أبو الزبير"عن جابر قال: لما نزلنا الحجرْ في مغزى رسول الله صلى الله عليه وسلم تَبُوك ، قال: «أيها الناس لا تسألوا في هذه الآيات هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث الله لهم ناقة فبعث الله عز وجل إليهم الناقة فكانت تَرِد من ذلك الفجّ فتشرب ماءهم يوم وردها ويحلبون منها مثل الذي كانوا يشربون يوم غِبِّها» "وهو معنى قوله تعالى: { وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ المآء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ } . { كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ } الشِّرْب بالكسر الحَظ من الماء؛ وفي المثل: ( آخرها أقلّها شِرْبًا ) وأصله في سقي الإبل ، لأن آخرها يرد وقد نزِف الحوضُ . ومعنى «مُحْتَضَرٌ» أي يحضُره مَن هو له؛ فالناقة تَحضُر الماء يوم وِردها ، وتغيب عنهم يوم وِردهم؛ قاله مقاتل . وقال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم غبِّها فيشربون ، ويحضرون اللبن يوم وِردها فيحتلبون .
قوله تعالى: { فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ } يعني بالحضّ على عَقْرها { فتعاطى } عقرها { فَعَقَرَ } هَا ومعنى تعاطى تناول الفعل؛ من قولهم: عَطَوتُ أي تناولت؛ ومنه قول حسان:
كلْتَاهُمَا حَلَبُ العَصِيرِ فعَاطِنِي ... بزجاجةٍ أرخاهما للمِفْصَلِ
قال محمد بن إسحاق: فكمِن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها بسهم فانتظم به عَضَلة ساقها ، ثم شدّ عليها بالسيف فكشف عُرْقوبها ، فخرّت ورَغت رُغاءةً واحدة تحَدّر سَقْبها من بطنها ثم نَحرها ، وانطلق سَقْبها حتى أتى صخرة في رأس جبل فرغا ثم لاذ بها ، فأتاهم صالح عليه السلام؛ فلما رأى الناقة قد عُقِرت بكى وقال: قد انتهكتم حرمة الله فأبشروا بعذاب الله . وقد مضى في «الأعراف» بيان هذا المعنى . قال ابن عباس: وكان الذي عقرها أحمر أزرق أشقر أكشف أقفى . ويقال في اسمه قُدَار بن سالف . وقال الأفوه الأَوْدي:
أو قَبْلَه كقُدَارٍ حين تَابَعَهُ ... على الغِوَايةِ أقوامٌ فقد بادُوا
والعرب تسمِّي الجزّار قُدَارًا تشبيهًا بقُدَار بن سالف مشؤوم آل ثمود؛ قال مُهلهِل:إنَّا لَنَضْرِبُ بالسُّيُوفِ رؤُوسَهمْ ... ضَرْبَ القُدَارِ نقِيعةَ القُدَّامِ
وذكره زهير فقال:
فَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلمانَ أَشْأَمَ كُلُّهُمْ ... كأحمرِ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فتَفْطِمِ
يريد الحرب؛ فكنَّى عن ثمود بعاد .
قوله تعالى: { إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً } يريد صيحة جبريل عليه السلام ، وقد مضى في «هود» . { فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظر } وقرأ الحسن وقتادة وأبو العالية «المحْتَظَر» بفتح الظاء أرادوا الحظيرة . الباقون بالكسر أرادوا صاحب الحظيرة . وفي الصحاح: والمحتِظر الذي يعمل الحظيرة . وقرىء «كَهَشِيِم المحتظِر» فمن كسره جعله الفاعل ومن فتحه جعله المفعول به . ويقال للرجل القليل الخير: إنَّه لنَكِدُ الْحظِيرَة . قال أبو عبيد: أراه سمى أمواله حظيرة لأنه حظرها عنده ومنعها ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة . المهدوي: من فتح الظاء من «المحتظر» فهو مصدر ، والمعنى كهشيم الاحتظار . ويجوز أن يكون «المحتظَر» هو الشجر المتخذ منه الحظيرة . قال ابن عباس: «المحتظِر» هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك؛ فما سقط من ذلك وداسته الغنم فهو الهشيم . قال:
أَثَرْنَ عَجاجةً كدخانِ نارٍ ... تشبّ بغَرْقَدٍ بالٍ هَشِيمِ