بمعنى صارت فقال بعض المفسرين: في هذا موضع إنها بمعنى صار ، والتحقيق أن كان لا تخالف غيرها من الأفعال الماضية اللازمة التي لا تتعدى والذي يقال إن كان تامة وناقصة وزائدة وبمعنى صار فليس ذلك يوجب اختلاف أحوالها اختلافًا يفارق غيرها من الأفعال وذلك لأن كان بمعنى وجد أو حصل أو تحقق غير أن الذي وجد تارة يكون حقيقة الشيء وأخرى صفة من صفاته فإذا قلت: كانت الكائنة وكن فيكون جعلت الوجود والحصول للشيء في نفسه فكأنك قلت: وجدت الحقيقة الكائنة وكن أي احصل فيوجد في نفسه وإذا قلت: كان زيد عالمًا أي وجد علم زيد ، غير أنا نقول في وجد زيد عالمًا إن عالمًا حال ، وفي كان زيد عالمًا نقول: إنه خبر كقولنا حصل زيد عالمًا غير أن قولنا وجد زيد عالمًا ربما يفهم منه أن الوجود والحصول لزيد في تلك الحال كما تقول قام زيد منتحيًا حيث يكون القيامة لزيد في تلك الحال ، وقولنا: كان زيد عالمًا ليس معناه كان زيد وفي تلك الحال هو عالم لكن هذا لا يوجب أن كان على خلاف غيره من الأفعال اللازمة التي لها بالحال تعلق شديد ، لأن من يفهم من قولنا حصل زيد اليوم على أحسن حال ما نفهمه من قولنا خرج زيد اليوم في أحسن زي لا يمنعه مانع من أن يفهم من قولنا: كان زيد على أحسن حال مثل ما فهم هناك ، إذا عرفت هذا فنقول: الفعل الماضي يطلق تارة على ما يوجد في الزمان المتصل بالحاضر ، كقولنا: قام زيد في صباه ، ويطلق تارة على ما يوجد في الزمان الحاضر كقولنا قام زيد فقم وقم فإن زيدًا قام ، وكذلك القول في كان ربما يقال كان زيد قائمًا عام كذا وربما يقال كان زيد قائمًا الآن كما في قام زيد فقوله تعالى: { فَكَانُواْ } فيه استعمال الماضي فيما اتصل بالحال فهو كقولك أرسل عليهم صيحة فماتوا أي متصلًا بتلك الحال ، نعم لو استعمل في هذا الموضع صار يجوز لكن كان وصار كل واحد بمعنى في نفسه وليس وإنما يلزم حمل كان على صار إذا لم يمكن أن يقال هو كذا كما في البيت حيث لا يمكن أن يقال: البيوض فراخ ، وأما هنا يمكن أن يقال هم كهشيم ولولا الكاف لأمكن أن يقال: يجب حمل كان على صار إذا كان المراد أنهم انقلبوا هشيمًا كما يقلب الممسوخ وليس المراد ذلك .
المسألة الثانية: ما الهشيم؟ نقول هو المهشوم أي المكسور وسمي هاشم هاشمًا لهشمه الثريد في الجفان غير أن الهشيم استعمل كثيرًا في الحطب المتكسر اليابس ، فقال المفسرون: كانوا كالحشيش الذي يخرج من الحظائر بعد البلا بتفتت ، واستدلوا عليه بقوله تعالى: { هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرياح } [ الكهف: 54 ] وهو من باب إقامة الصفة مقام الموصوف كما يقال: رأيت جريحًا ومثله السعير .
المسألة الثالثة: لماذا شبههم به؟ قلنا: يحتمل أن يكون التشبيه بكونهم يابسين كالحشيش بين الموتى الذين ماتوا من زمان وكأنه يقول: سمعوا الصيحة فكانوا كأنهم ماتوا من أيام ، ويحتمل أن يكون لأنهم انضموا بعضهم إلى بعض كما ينضم الرفقاء عند الخوف داخلين بعضهم في بعض فاجتمعوا بعضهم فوق بعض كحطب الحاطب الذي يصفه شيئًا فوق شيء منتظرًا حضور من يشتري منه شيئًا فإن الحطاب الذي عنده الحطب الكثير يجعل منه كالحظيرة ، ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم في الجحيم أي كانوا كالحطب اليابس الذي للوقيد فهو محقق لقوله تعالى: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء: 98 ] وقوله تعالى: { فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا } [ الجن: 15 ] وقوله: { أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا } [ نوح: 25 ] كذلك ماتوا فصاروا كالحطب الذي لا يكون إلا للإحراق لأن الهشيم لا يصلح للبناء . والتكرار للتذكار .
وقال السعدي (1) :
أي كذبت ثمود وهم القبيلة المعروفة المشهورة في أرض الحجر، نبيهم صالحا عليه السلام، حين دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأنذرهم العقاب إن هم خالفوه فكذبوه واستكبروا عليه، وقالوا -كبرا وتيها-: { أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ } أي: كيف نتبع بشرا، لا ملكا منا، لا من غيرنا، ممن هو أكبر عند الناس منا، ومع ذلك فهو شخص واحد { إِنَّا إِذًا } أي: إن اتبعناه وهو بهذه الحال { لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ } أي: إنا لضالون أشقياء، وهذا الكلام من ضلالهم وشقائهم، فإنهم أنفوا أن يتبعوا رسولا من البشر، ولم يأنفوا أن يكونوا عابدين للشجر والحجر والصور.
{ أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا } أي: كيف يخصه الله من بيننا وينزل عليه الذكر؟ فأي مزية خصه من بيننا؟ وهذا اعتراض من المكذبين على الله، لم يزالوا يدلون به، ويصولون ويجولون ويردون به دعوة الرسل، وقد أجاب الله عن هذه الشبهة بقول الرسل لأممهم: { قالت رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } فالرسل من الله عليهم بصفات وأخلاق وكمالات، بها صلحوا لرسالات ربهم والاختصاص بوحيه،
(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 826)