ومن رحمته وحكمته أن كانوا من البشر، فلو كانوا من الملائكة لم يمكن البشر، أن يتلقوا عنهم، ولو جعلهم من الملائكة لعاجل الله المكذبين لهم بالعقاب العاجل.
والمقصود بهذا الكلام الصادر من ثمود لنبيهم صالح، تكذيبه، ولهذا حكموا عليه بهذا الحكم الجائر، فقالوا: { بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } أي: كثير الكذب والشر،
فقبحهم الله ما أسفه أحلامهم وأظلمهم، وأشدهم مقابلة للصادقين الناصحين بالخطاب الشنيع، لا جرم عاقبهم الله حين اشتد طغيانهم فأرسل الله الناقة التي هي من أكبر النعم عليهم، آية من آيات الله، ونعمة يحتلبون من ضرعها ما يكفيهم أجمعين، { فِتْنَةً لَهُمْ } أي: اختبارا منه لهم وامتحانا { فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ } أي: اصبر على دعوتك إياهم، وارتقب ما يحل بهم، أو ارتقب هل يؤمنون أو يكفرون؟
{ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ } أي: وأخبرهم أن الماء أي: موردهم الذي يستعذبونه، قسمة بينهم وبين الناقة، لها شرب يوم ولهم شرب يوم آخر معلوم، { كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ } أي: يحضره من كان قسمته، ويحظر على من [ ص 827 ] ليس بقسمة له.
{ فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ } الذي باشر عقرها، الذي هو أشقى القبيلة { فَتَعَاطَى } أي: انقاد لما أمروه به من عقرها { فَعَقَرَ } { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } كان أشد عذاب، أرسل الله عليهم صيحة ورجفة أهلكتهم عن آخرهم، ونجى الله صالحا ومن آمن معه { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ }
وفي التفسير الوسيط (1) :
وقوله: { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر } أى: كذبت قبيلة ثمود بالنذر التى جاءتهم عن طريق رسولهم صالح - عليه السلام - فالنذر بمعنى الإنذارات التى أنذرهم بها صالح - عليه السلام - ثم حكى - سبحانه - مظاهر تكذيبهم فقال: { فقالوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ . . . } .
و"بشرا"منصوب على المفعولية بالفعل"نتبعه"على طريقة الاشتغال ، وقدم لاتصاله بهمزة الاستفهام ، لأن حقها التصدير ، والاستفهام للإنكار ، وواحدا صفة لقوله { أَبَشَرًا } . أى: أن قوم صالح - عليه السلام - حين جاءهم برسالته التى تدعوهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - ، أنكروا ذلك ، وقالوا: أنتبع واحدا من البشر جاءنا بهذا الكلام الذى يخالف ما كان عليه آباؤنا وأجدادنا؟
{ إِنَّآ إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ } أى: إنا إذا لو اتبعناه لصرنا في ضلال عظيم ، وفى { سُعُرٍ } أى وفى جنون واضح ، ومنه قولهم: ناقة مسعورة ، إذا كانت لا تستقر على حال ، وتفرط في سيرها كالمجنونة .
أو المعنى: إنا لو اتبعناه لكنا في ضلال ، وفى نيران عظيمة . فالسعر بمعنى النار المسعرة ، ثم أخذوا في تفنيد دعوته ، فقالوا: { أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا . . } والاستفهام للإنكار والنفى . والمراد بالإلقاء: الإنزال . وبالذكر: الوحى الذى أوحاه الله - تعالى - إليه ، وبلغه لهم . أى: أأنزل الوحى على صالح وحده دوننا؟ لا لم ينزل عليه الوحى دوننا ، فهو واحد من أفنائنا ، وليس من أشرافنا .
{ بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } أى: بل صالح فيما يدعونا إليه كذاب { أَشِرٌ } أى: بطر متكبر ، معجب بنفسه ، يقال: أشر فلان ، إذا أبطرته النعمة ، وصار مغرورا متكبرا على غيره ، ولا يستعمل نعم الله فيما خلقت له .
وهكذا الجاهلون الجاحدون ، يقلبون الحقائق ، وتصير الحسنات في عقولهم سيئات ، فصالح - عليه السلام - الذى جاءهم بما يسعدهم ، أصبح في نظرهم كذابا مغرورا ، لا يليق بهم أن يتبعوه . . .
وقد ورد - سبحانه - عليهم ردا يحمل لهم التهديد والوعيد ، فقال - تعالى -: { سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الكذاب الأشر } .
أى: سيعلم هؤلاء الكافرون ، في الغد القريب يوم ينزل بهم العذاب المبين ، من هو الكذاب في أقواله ، ومن هو المغرور المتكبر على غيره ، أصالح - عليه السلام - أم هم؟!
والتعبير بالسين في قوله { سَيَعْلَمُونَ } لتقريب مضمون الجملة وتأكيده .
والمراد بقوله: { غَدًا } الزمن المستقبل القريب الذى سينزل فيه العذاب عليهم . .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، ما أمر به نبيه صالحا - عليه السلام - فقال: { إِنَّا مُرْسِلُواْ الناقة فِتْنَةً لَّهُمْ فارتقبهم واصطبر وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ المآء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ } .
وقوله: { مُرْسِلُواْ الناقة } أى: مخرجوها وباعثوها ، لأنهم اقترحوا على نبيهم صالح أن يأتيهم بمعجزة تدل على صدقه ، لكى يتبعوه ، فأخرج الله - تعالى - لهم تلك الناقة ، من مكان مرتفع قريب منهم .
وإلى هذا المعنى أشار - سبحانه - في آيات أخرى منها قوله - تعالى -: { قالوا إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ المسحرين مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين قَالَ هذه نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } وقوله { فِتْنَةً } أى: اختبارا وامتحانا لهم ، فهو مفعول لأجله .
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 4029)