الثانية: قوله تعالى: { إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام } إذا دخلت اللام لم يكن في «إن» إلا الكسر ، ولو لم تكن اللام ما جاز أيضا إلا الكسر؛ لأنها مستأنفة . هذا قول جميع النحويين . قال النحاس: إلا أن عليّ بن سليمان حكى لنا عن محمد بن يزيد قال: يجوز في «إنّ» هذه الفتح وإن كان بعدها اللام؛ وأحسبه وهْما منه . قال أبو إسحاق الزجاج: وفي الكلام حذف؛ والمعنى وما أرسلنا قلبك رسلًا إلا إنهم ليأكلون الطعام ، ثم حذف رسلًا ، لأن في قوله: { مِن المرسلِينَ } ما يدل عليه . فالموصوف محذوف عند الزجاج . ولا يجوز عنده حذف الموصول وتبقية الصلة كما قال الفراء . قال الفراء: والمحذوف { مَن } والمعنى إلا مَنْ إنهم ليأكلون الطعام . وشبّهه بقوله: { وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات: 164 ] ، وقوله: { وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } [ مريم: 71 ] أي ما منكم إلا من هو واردها . وهذا قول الكسائيّ أيضًا . وتقول العرب: ما بعثت إليك من الناس إلا مَن إنه ليطيعك . فقولك: إنه ليطيعك صلة من . قال الزجاج: هذا خطأ؛ لأن من موصولة فلا يجوز حذفها . وقال أهل المعاني: المعنى؛ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قيل إنهم ليأكلون؛ دليله قوله تعالى: { مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ } [ فصلت: 43 ] . وقال ابن الأنباريّ: كسرت { إِنَّهُمْ } بعد { إلا } للاستئناف بإضمار واو . أي إلا وإنهم . وذهبت فرقة إلى أن قوله: { لَيَاْكُلُونَ الطَعَاَمَ } كناية عن الحدث .
قلت: وهذا بليغ في معناه ، ومثله { مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام } [ المائدة: 75 ] . { وَيَمْشُونَ فِي الأسواق } قرأ الجمهور { يمْشُونَ } بفتح الياء وسكون الميم وتخفيف الشين . وقرأ عليّ وابن عوف وابن مسعود بضم الياء وفتح الميم وشد الشين المفتوحة ، بمعنى يُدْعَون إلى المشي ويحملون عليه . وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلمَيّ بضم الياء وفتح الميم وضم الشين المشدّدة ، وهي بمعنى يَمْشُونَ؛ قال الشاعر:
ومَشَّى بأعطان المَبَاءة وابتغى ... قلائصَ منها صعبةٌ ورَكُوبُ
وقال كعب بن زهير:
منه تظل سِباعُ الجوِّ ضامِزةً ... ولا تُمَشِّي بوادِيه الأَراجيلُ
بمعنى تمْشي . ...
الثالثة: هذه الآية أصل في تناول الأسباب وطلب المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك . وقد مضى هذا المعنى في غير موضع ، لكنا نذكر هنا من ذلك ما يكفي فنقول: قال لي بعض مشايخ هذا الزمان في كلام جرى: إن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا ليسنوا الأسباب للضعفاء؛ فقلت مجيبًا له: هذا قول لا يصدر إلا من الجهال والأغِنياء ، والرعاع السفهاء ، أو من طاعن في الكتاب والسنة العلياء؛ وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن أصفيائه ورسله وأنبيائه بالأسباب والاحتراف فقال وقوله الحق: { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ } [ الأنبياء: 80 ] . وقال: { وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِي الأسواق } قال العلماء: أي يتجرون ويحترفون . وقال عليه الصلاة والسلام: « جُعِل رزقي تحت ظل رُمْحي » وقال تعالى: { فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلًا طَيِّبًا } [ الأنفال: 69 ] وكان الصحابة رضي الله عنهم يتجرون ويحترفون وفي أموالهم يعملون ، ومن خالفهم من الكفار يقاتلون؛ أتراهم ضعفاء! بل هم كانوا والله الأقوياء ، وبهم الخلف الصالح اقتدَى ، وطريقهم فيه الهدى والاهتداء . قال: إنما تناولوها لأنهم أئمة الاقتداء ، فتناولوها مباشرة في حق الضعفاء ، فأما في حق أنفسهم فلا؛ وبيان ذلك أصحابُ الصُّفَّة .