فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 1236

قلت: لو كان ذلك لوجب عليهم وعلى الرسول معهم البيان؛ كما ثبت في القرآن { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [ النحل: 44 ] وقال: { إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى } [ البقرة: 159 ] الآية . وهذا من البينات والهدى . وأما أصحاب الصُّفة فإنهم كانوا ضيف الإسلام عند ضيق الحال ، فكان عليه السلام إذا أتته صدقة خصهم بها ، وإذا أتته هدية أكلها معهم ، وكانوا مع هذا يحتطبون ويسوقون الماء إلى أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم . كذا وصفهم البخاريّ وغيره . ثم لما افتتَح الله عليهم البلاد ومهد لهم المهاد تأمّروا ، وبالأسباب أُمِروا . ثم إن هذا القول يدلّ على ضعف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لأنهم أُيِّدوا بالملائكة وثُبّتوا بهم ، فلو كانوا أقوياء ما احتاجوا إلى تأييد الملائكة وتأييدهم إذ ذلك سبب من أسباب النصر؛ نعوذ بالله من قول وإطلاق يؤول إلى هذا ، بل القول بالأسباب والوسائط سنة الله وسنة رسوله ، وهو الحق المبين ، والطريق المستقيم الذي انعقد عليه إجماع المسلمين؛ وإلا كان يكون قوله الحق: { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل } [ الأنفال: 60 ] الآية مقصورًا على الضعفاء ، وجميع الخطابات كذلك . وفي التنزيل حيث خاطب موسى الكِليم { اضرب بِّعَصَاكَ البحر } [ الشعراء: 63 ] وقد كان قادرًا على فلق البحر دون ضرب عصا . وكذلك مريم عليها السلام { وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة } [ مريم: 25 ] وقد كان قادرًا على سقوط الرطب دون هزّ ولا تعب؛ ومع هذا كله فلا ننكر أن يكون رجل يلطَف به ويعان ، أو تجاب دعوته ، أو يكرم بكرامة في خاصة نفسه أو لأجل غيره ، ولا تهدّ لذلك القواعد الكلية والأمور الجملية .

هيهات هيهات! لا يقال فقد قال الله تعالى: { وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [ الذاريات: 22 ] فإنا نقول: صدق الله العظيم ، وصدق رسوله الكريم ، وأن الرزق هنا المطر بإجماع أهل التأويل؛ بدليل؛ قوله: { وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السمآء رِزْقًا } [ غافر: 13 ] وقال: { وَنَزَّلْنَا مِنَ السمآء مَآءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحصيد } [ ق: 9 ] ولم يشاهد ينزل من السماء على الخلق أطباقَ الخبز ولا جِفان اللحم ، بل الأسباب أصل في وجود ذلك؛ وهو معنى قوله عليه السلام:"اطلبوا الرزق في خبايا الأرض"أي بالحرث والحفر والغرس . وقد يسمى الشيء بما يؤول إليه ، وسمي المطر رزقًا لأنه عنه يكون الرزق ، وذلك مشهور في كلام العرب . وقال عليه السلام:"لأنّ يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل أحدًا أعطاه أو منعه"وهذا فيما خرج من غير تعب من الحشيش والحطب . ولو قُدِّر رجل بالجبال منقطعًا عن الناس لما كان له بَد من الخروج إلى ما تخرجه الآكام وظهور الأعلام حتى يتناول من ذلك ما يعيش به؛ وهو معنى قوله عليه السلام:"لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكّله لرزقتم كما تُرزق الطير تغدو خِماصا وتروح بِطانا"فغدوّها ورواحها سبب؛ فالعجب العجب ممن يدعي التجريد والتوكل على التحقيق ، ويقعد على ثنيات الطريق ، ويدع الطريق المستقيم ، والمنهج الواضح القويم . ثبت في البخاري عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزوّدون ويقولون نحن المتوكلون ، فإذا قدموا سألوا الناس؛ فأنزل الله تعالى { وَتَزَوَّدُواْ } [ البقرة: 197 ] . ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أنهم خرجوا إلى أسفارهم بغير زاد ، وكانوا المتوكلين حقًا . والتوكل اعتماد القلب على الرب في أن يُلّم شعثه ويجمع عليه أربَه؛ ثم يتناول الأسباب بمجرد الأمر . وهذا هو الحق . سأل رجل الإمام أحمد بن حنبل فقال: إني أريد الحج على قدم التوكل . فقال: اخرج وحدك؛ فقال: لا ، إلاّ مع الناس . فقال له: أنت إذن متكل على أجربتهم . وقد أتينا على هذا في كتاب «قمع الحرص بالزهد والقناعة وردّ ذلّ السؤال بالكتب والشفاعة» .

الرابعة: خرّج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها"وخرّج البزّار عن سلمان الفارسيّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تكونن إن استطعتْ أوّل من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته"أخرجه أبو بكر البرْقانيّ مسندًا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم عن أبي عثمان النهدِيّ عن سلمان قال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت