فهرس الكتاب

الصفحة 405 من 1236

وكان لمن فقد ولدًا نصيب كبير من البشارة بالجنة؛ لعلم الله بعظم مصيبته، وكونه بعباده رحيمًا. فبشّر - عليه الصلاة والسلام - المرأة التي مات لها ثلاثة من أولادها بأنها احتمت بحمًى منيع من النار؛ فقد أتته ومعها صبي لها مريض، وقالت: يا نبي الله! ادعُ الله له! فلقد دفنت ثلاثة. قال: «دفنتِ ثلاثة؟! » ، قالت: نعم! قال: «لقد احتظرت بحظار شديد من النار» (1) . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أيُّمَا مُسْلِمَينِ مَضَى لَهُمَا ثَلاثَةٌ مِن أولادِهِمَا، لم يبلُغُوا حِنْثًا كانُوا لَهُمَا حِصْنًا حَصِينًا مِن النَّارِ» ، فَقَالَ أبُو ذَرٍّ: مَضَى لِي اثنان يا رسولَ اللهِ! قال: «واثنان» ، فقال أُبَيُّ أبُو المُنْذِرِ سَيِّدُ القُرَّاءِ: مَضَى لي واحدٌ يَا رسول اللهِ! فقال رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «وواحدٌ؛ وذلك في الصَّدمة الأولى» (2) . وعن محمود بن لبيد عن جابر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم دخل الجنة» ، قال: قلنا: يا رسول الله! واثنان؟ قال: «واثنان» . قال محمود: فقلت لجابر: أراكم لو قلتم: وواحد لقال: وواحد. قال: وأنا ـ والله ـ أظنّ ذاك» (3) .

وإليكما ـ أيُّها الوالدان المكلومان ـ حديثًا آخر ـ وحسبكما به عزاءً وتفريجًا ـ: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم! فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم! فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حَمِدَكَ واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسَمُّوه بيت الحمد» (4) .

بل إنّ السِّقْطَ ـ وهو الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه ـ سبب لدخول أمه الجنة؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنَّ السِّقْطَ ليجر أمه بسَرَرِهِ إلى الجنة، إذا احتسبته» (5) .

وأما تكفير السيئات فقد جاء في الحديث الصحيح: «ما من مسلم يصيبه أذى؛ شوكة فما فوقها إلا كفَّر الله بها سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها» (6) ، وفي الحديث الصحيح الآخر: «ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا همٍّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (7) ، و «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» (8) .

والمصائب من أسباب رفعة الدرجات؛ فبالصبر عليها يبلغ العبد منْزلة لم يبلغها بعمله. جاء في مسند الإمام أحمد: «إذا سبقت للعبد من الله منْزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده، ثم صبَّرَه، حتى يُبَلِّغَه المنْزلة التي سبقت له منه» (9) .

سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يومًا: «ما تعدون الرَّقُوب فيكم؟ » قالوا: الذي لا يولد له. قال: «ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدِّم من ولده شيئًا» (10) أي: يموت قبل أنْ يموت أحد أولاده، وفي هذا إشارة إلى أنّ الأجر والثواب لمنْ قدَّم شيئًا من الولد، وأنّ الاعتداد به أكثر، والنفع فيه أعظم.

وهي من أسباب حسن الخلف والعوض، فقد يعوَّض من فقد حبيبًا بآخر أحسن منه، وقد يعوَّض من فقد ولدًا بولد أبرَّ منه وأنفع، وكم في ثنايا المحن من منح! أخبرت أم سلمة - رضي الله عنها - أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها» . قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أيُّ المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -» (11) .

ولذا فإنّ وفاة أحد الأبناء قد تكون خيرًا لوالديه من وجوه؛ فقد يكون قد سبق في علم الله أنّ هذا الولد لو عاش لأتعب أبويه، كما مرّ في قصة الخضر والغلام، وقد يكون صبر الوالدين واحتسابهما سببًا لحسن الخلف، كما مرّ في قصة أم سلمة - رضي الله عنها -، وقد يكون دعاء المعزِّين والزائرين للوالدين: «اللهمّ اخلف عليهما خيرًا، واجبر كسرهما، وأبدلهما خيرًا منه» سببًا في صلاح إخوانه وتوفيقهم، وأنْ يُرزقا بخلف خير منه وأبرّ.

* ثامنًا: كف النفس عن تذكر المصيبة:

على من أصيب بمصيبة أنْ يكفَّ نفسه عن تذكُّرها، وتردادها في ذهنه وتجوُّلها، وأنْ ينفيَ الخواطر والمهيِّجات إذا مرَّتْ به، ولا ينمّيها ويعايشها؛ فإنها تصير أماني لا نفع منها ولا غنًى وراءها، وأمثال هذه الأماني رؤوس أموال المفاليس؛ لأنّ من مات لا يعود، وما قُضي لا يردّ، وقد روي عن عمر ابن الخطاب ـ - رضي الله عنه - ـ قوله: «لا تستفزُّوا الدموع بالتذكُّر» .

وممّا يقع فيه كثير ممّن أصيب بفقد حبيب أو قريب أنه يسعى إلى الاحتفاظ ببعض أشياء الميت التي تذكِّره به في كل حين، مما يحول دون برء جراحه، ويجدِّد همومه وأحزانه.

* تاسعًا: الابتعاد عن العزلة والانفراد:

ابتعد ـ أيُّها المصاب ـ عن العزلة والانفراد؛ فإنّ الوساوس لا تزال تجاذب المنعزل المتفرِّغ، والشيطان على المنعزل أقدر منه على غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت