وأشغل نفسك بما فيه نفعك، واحزم أمرك، واشتغل بالأوراد المتواصلة والقراءة والأذكار والصلوات، واجعلها أنيسك ورفيقك؛ فإنّه بذكر الله تطمئنّ القلوب.
* عاشرًا: ترك الجزع والتشكي:
إيّاكم ـ عند المصائب ـ والجزعَ وكثرةَ الشكوى، فإنّ من غفل عن أسباب العزاء ودواعي السلوة تضاعفت عليه شدّة الأسى والحسرة، وهو بهذا كمن سعى في حتفه وأعان على تلفه، فلا يطيق على مصابه صبرًا، ولا يجد عنه سُلُوًّا، ولئن كان الصبر مستأصِلَ الحَدَثان فإنّ الجزع من أعوان الزمان. من علم أنّ المقدَّر كائن والمقضيَّ حاصل كان الجزع عناءً خالصًا، ومصابًا ثانيًا، وقد قال - تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: 22 - 23] . حُكي أنّ أعرابية دخلت من البادية، فسمعت صُراخًا في دار، فقالت: ما هذا؟ فقيل لها: مات لهم إنسان. فقالت: ما أراهم إلا من ربهم يستغيثون، وبقضائه يتبرّمون، وعن ثوابه يرغبون!
تذكَّروا أنّ الجزع لا يردّ الفائت، ولكنه يُحزن الصديق ويسرّ الشامت، ولا تقرنوا بحزن الحادثة قنوط الإياس؛ فإنهما لا يبقى معهما صبر، ولا يتّسع لهما صدر. وقد قيل: المصيبة بالصبر أعظم المصيبتين. مات لرجل وامرأة ابنٌ يُحِبَّانِهِ، فقال الرجل لزوجته: اتقي الله واحتسبيه واصبري! فقالت: مصيبتي أعظم من أنْ أفسدها بالجزع.
وقال بعض العقلاء: «العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر...فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود فما أحسن به أنْ يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره! » (1) .
وإنما تُنال درجة الصبر في المصائب بما يدخل تحت اختيار المرء؛ فتُنال بترك الجزع، وشقّ الجيوب، وضرب الخدود، والمبالغة في الشكوى، وإظهار الكآبة، وتغيير العادة في الملبس والمفرش والمطعم. وعليه أنْ يُظهر الرضا بقضاء الله - تعالى -، ويعتقد أنّ ذلك كان وديعة فاستُرجِعتْ، ويصنع كما صنعت أم سُليم - رضي الله عنها - حين مات ابن لها، فقالت لزوجها أبي طلحة - رضي الله عنه -: «أرأيتَ لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: «فاحتسب ابنك» . فلما علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: بارك الله لكما في غابر ليلتكما» (2) .
وأخيرًا: فإنّ الصبر على المصائب يُعقب الصابرَ الراحة منها، ويُكسبه المثوبة عنها، فإنْ صبر طائعًا وإلا احتمل همًّا لازمًا، وصبر كارهًا آثمًا، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سُلُوَّ البهائم. قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ـ: «إنّك إنْ صبرت جرى عليك القلم وأنت مأجور، وإنْ جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور» (3) . وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «إنا وجدنا خير عيشنا الصبر» . وروي عن علي - رضي الله عنه - قوله: «اعلموا أنّ الصبر من الإيمان بمنْزلة الرأس من الجسد، ألا وإنه لا إيمان لمن لا صبر له» . وقال الحسن - رحمه الله: «ما تجرَّع عبد جرعة أعظم من جرعة حلم عند الغضب، وجرعة صبر عند المصيبة» . وقال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -: «ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه، فعاضه مكانها الصبر إلا كان ما عوَّضه خيرًا مما انتزعه» .
جعلنا الله جميعًا من الصابرين الشاكرين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1) صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب مثل المؤمن كالزرع والمنافق والكافر كالأرزة، وهو في صحيح البخاري في مواضع، منها ما جاء في كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة: «مثل المؤمن كمثل خامة الزرع يفىء ورقه من حيث أتتها الريح تكفؤها، فإذا سكنت اعتدلت، وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء. ومثل الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء» .
(2) صحيح البخاري: كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، وصحيح مسلم: كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر والقناعة، واللفظ للبخاري.
(3) صحيح مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب في أحاديث متفرقة.
(1) مسند الإمام أحمد، من حديث عبد الله بن عباس، رقم 2744.
(2) سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع.
(3) صحيح البخاري، أول كتاب القدر.
(4) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر.
(5) صحيح مسلم بشرح النووي، 16/213.
(6) انظر الحديث في سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في القدر، وسنن ابن ماجة، المقدمة، باب في القدر، ومسند أحمد، من حديث ابن الديلمي، رقم 21589.
(1) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنا بك لمحزونون» ، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - صلى الله عليه وسلم - وتواضعه، واللفظ للبخاري.
(2) سير أعلام النبلاء، 4/430.