فهرس الكتاب

الصفحة 452 من 1236

وجملة { وعلى الله فليتوكل المتوكلون } يحتمل أن تكون من بقية كلام الرسل فتكون تذييلًا وتأكيدًا لجملة { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } فكانت تذييلًا لما فيها من العموم الزائد في قوله: { المتوكلون } على عموم { فليتوكل المؤمنون } . وكانت تأكيدًا لأن المؤمنين من جملة المتوكلين . والمعنى: من كان متوكلًا في أمره على غيره فليتوكل على الله .

ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى ، فهي تذييل للقصة وتنويه بشأن المتوكلين على الله ، أي لا ينبني التوكل إلا عليه .

{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين } { وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الارض مِن بَعْدِهِمْ } .

تغيير أسلوب الحكاية بطريق الإظهار دون الإضمار يؤذن بأن المراد ب { الذين كفروا } هنا غير الكافرين الذين تقدمت الحكاية عنهم فإن الحكاية عنهم كانت بطريق الإضمار . فالظاهر عندي أن المراد ب { الذين كفروا } هنا كفار قريش على طريقة التوجيه . وأن المراد ب { رُسُلِهم } الرسولُ محمّد صلى الله عليه وسلم أجريت على وصفه صيغة الجمع على طريق قوله: { الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون } في سورة غافر ( 70 ) . فإن المراد المشركون من أهل مكة كما هو مقتضى قوله: فسوف يعلمون وقوله: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } إلى قوله: { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب } [ سورة الحديد: 25 ] ، فإن المراد بالرسل في الموضعين الأخيرين الرسول محمد عليه الصلاة والسلام لأنه الرسول الذي أنزل معه الحديد ، أي القتال بالسيف لأهل الدعوة المكذبين ، وقوله: { فكذبوا رسلي } في سورة سبأ ( 45 ) على أحد تفسيرين في المراد بهم وهو أظهرهما .

وإطلاق صيغة الجمع على الواحد مجاز: إما استعارة إن كان فيه مراعاة تشبيه الواحد بالجمع تعظيمًا له كما في قوله تعالى: { قال رب ارجعون } [ سورة المؤمنون: 99 ] .

وإما مجاز مرسل إذا روعي فيه قصد التعمية ، فعلاقته الإطلاق والتقييد . والعدول عن الحقيقة إليه لقصد التعمية .

فلا جرم أن يكون المراد بالذين كفروا هنا كفار مكة ويؤيده قوله بعد ذلك { ولنسكننكم الأرض من بعدهم } فإنه لا يعرف أن رسولًا من رسل الأمم السالفة دخل أرض مكذّبيه بعد هلاكهم وامتلكها إلا النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع « منزلُنا إن شاء الله غدًا بالخَيْف خَيْفَ بني كنانة حيثُ تقاسموا على الكفر » .

وعلى تقدير أن يكون المراد ب { الذين كفروا } في هذه الآية نفس المراد من الأقوام السالفين فالإظهار في مقام الإضمار لزيادة تسجيل اتصافهم بالكفر حتى صار الخصلة التي يعرفون بها . وعلى هذا التقدير يكون المراد من الرسل ظاهرَ الجمع فيكون هذا التوعد سنة الأمم ويكون الإيماء إليهم به سنة الله مع رسله .

وتأكيد توعدهم بالإخراج بلام القسم ونون التوكيد ضراوة في الشر .

و ( أو ) لأحد الشيئين ، أقسموا على حصول أحد الأمرين لا محالة ، أحدهما من فعل المقسمين ، والآخر من فعل مَن خوطب بالقسم ، وليست هي { أو } التي بمعنى { إلى } أو بمعنى إلاّ .

والعود: الرجوع إلى شيء بعد مفارقته . ولم يكن أحد من الرسل متبعًا ملّة الكفر بل كانوا منعزلين عن المشركين دون تغيير عليهم ، فكان المشركون يحسبونهم موافقين لهم ، وكان الرسُل يتجنبون مجتمعاتهم بدون أن يشعروا بمجانبتهم ، فلما جاءُوهم بالحق ظنّوهم قد انتقلوا من موافقتهم إلى مخالفتهم فطلبوا منهم أن يعودوا إلى ما كانوا يحسبونهم عليه .

والظرفية في قوله: في ملتنا مجازية مستعملة في التمكن من التلبس بالشيء المتروك فكأنه عاد إليه .

والملّة: الدين . وقد تقدم عند قوله تعالى: { دينًا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا } في آخر سورة الأنعام ( 161 ) ، وانظر قوله: { فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا } في أوائل سورة آل عمران ( 95 ) .

وتفريع جملة فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين على قول الذين كفروا لرسلهم { لنخرجنكم من أرضنا } [ سورة إبراهيم: 13 ] الخ تفريع على ما يَقتضيه قول الذين كفروا من العزم على إخراج الرسل من الأرض ، أي أوحى الله إلى الرسل ما يثبت به قلوبهم ، وهو الوعد بإهلاك الظالمين .

وجملة لنهلكن الظالمين بيان لجملة ( أوحى . . ) .

وإسكان الأرض: التمكين منها وتخويلها إياهم ، كقوله: { وأورثكم أرضهم وديارهم } [ سورة الأحزاب: 27 ] .

والخطاب في لنسكننكم للرسل والذين آمنوا بهم ، فلا يقتضي أن يسكن الرسول بأرض عدوه بل يكفي أن يكون له السلطان عليها وأن يسكنها المؤمنون ، كما مكن الله لرسوله مكة وأرض الحجاز وأسكنها الذين آمنوا بعد فتحها .

{ ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ } .

{ ذلك } إشارة إلى المذكور من الإهلاك والإسكان المأخوذين من { لنهلكن } ، و { لنسكننكم } . عاد إليهما اسم الإشارة بالإفراد بتأويل المذكور ، كقوله: { ومن يفعل ذلك يلق آثامًا } [ سورة الفرقان: 68 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت