فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 1236

واللام للملك ، أي ذلك عطاء وتمليك لمن خاف مقامي ، كقوله تعالى: ذلك لمن خشي ربه [ سورة البينة: 8 ] .

والمعنى: ذلك الوعد لمن خاف مقامي ، أي ذلك لكم لأنكم خفتم مقامي ، فعدل عن ضمير الخطاب إلى من خاف مقامي لدلالة الموصول على الإيماء إلى أن الصلة علة في حصول تلك العطية .

ومعنى { خاف مقامي } خافني ، فلفظ { مقام } مقحم للمبالغة في تعلق الفعل بمفعوله ، كقوله تعالى: { ولمن خاف مقام ربه جنتان } [ الرحمن: 46 ] ، لأن المقام أصله مكان القيام ، وأريد فيه بالقيام مطلق الوجود لأن الأشياء تعتبر قائمة ، فإذا قيل خاف مقامي كان فيه من المبالغة ما ليس في ( خافني ) بحيث إن الخوف يتعلق بمكان المخوف منه . كما يقال: قصّر في جانبي . ومنه قوله تعالى: { على ما فرطت في جنب الله } [ سورة الزمر: 56 ] . وكل ذلك كناية عن المضاف إليه كقول زياد الأعجم

: ... إن السماحة والمروءة والندى

في قُبة ضُربت على ابن الحشرج ... أي في ابن الحشرج من غير نظر إلى وجود قبة . ومنه ما في الحديث إن الله لما خلق الرحم أخذت بساق العرش وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، أي هذا العائذ بك القطيعة .

وخوف الله: هو خوف غضبه لأن غضب الله أمر مكروه لدى عبيده .

وعطف جملة وخاف وعيد على { خاف مقامي } مع إعادة فعل { خاف } دون اكتفاء بعطف { وعيدي } على { مقامي } لأن هذه الصلة وإن كان صريحها ثناءً على المخاطبين فالمراد منها التعريض بالكافرين بأنهم لا يخافون وعيد الله ، ولولا ذلك لكانت جملة { خاف مقامي } تغني عن هذه الجملة ، فإن المشركين لم يعبأوا بوعيد الله وحسبوه عبثًا ، قال تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب } [ سورة الحج: 47 ] ، ولذلك لم يجمع بينهما في سورة البينة ( 8 ) { ذلك لمن خشي ربه } لأنه في سياق ذكر نعيم المؤمنين خاصة .

وهذه الآية في ذكر إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين أرضهم فكان المقام للفريقين ، فجمع في جزاء المؤمنين بإدماج التعريض بوعي الكافرين ، وفي الجمع بينهما دلالة على أن من حق المؤمن أن يخاف غضب ربه وأن يخاف وعيده ، والذين يخافون غضب الله ووعيده هم المتقون الصالحون ، فآل معنى الآية إلى معنى الآية الأخرى { أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } [ سورة الأنبياء: 105 ] .

وقرأ الجمهور وعيد بدون ياء وصلًا ووقفًا . وقرأه ورش عن نافع بدون ياء في الوقف وبإثباتها في الوصل . وقرأه يعقوب بإثبات الياء في حالي الوصل والوقف . وكل ذلك جائز في ياء المتكلم الواقعة مضافًا إليها في غير النداء . وفيها في النداء لغتان أخريان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت