فهرس الكتاب
وقال السيد رحمه الله (1) :
هنا نشهد الرسل الكرام في موكب الإيمان , يواجهون البشرية متجمعة في جاهليتها . حيث تتوارى الفواصل بين أجيالها وأقوامها . وتبرز الحقائق الكبرى مجردة عن الزمان والمكان . كما هي في حقيقة الوجود خلف حواجز الزمان والمكان:
(ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم:قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ?) . .
فهم كثير إذن , وهناك غير من جاء ذكرهم في القرآن . ما بين ثمود وقوم موسى . والسياق هنا لا يعني بتفصيل أمرهم , فهناك وحدة في دعوة الرسل ووحدة فيما قوبلت به:
(جاءتهم رسلهم بالبينات) . .
الواضحات التي لا يلتبس أمرها على الإدراك السليم .
(فردوا أيديهم في أفواههم , وقالوا:إنا كفرنا بما أرسلتم به ; وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب) . .
ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل من يريد تمويج الصوت ليسمع عن بعد , بتحريك كفه أمام فمه وهو يرفع صوته ذهابا وإيابا فيتموج الصوت ويسمع . يرسم السياق هذه الحركة التي تدل على جهرهم بالتكذيب والشك , وإفحاشهم في هذا الجهر , وإتيانهم بهذه الحركة الغليظة التي لا أدب فيها ولا ذوق , إمعانا منهم في الجهر بالكفر .
ولما كان الذي يدعوهم إليه رسلهم هو الاعتقاد بألوهية الله وحده , وربوبيته للبشر بلا شريك من عباده . . فإن الشك في هذه الحقيقة الناطقة التي تدركها الفطرة , وتدل عليها آيات الله المبثوثة في ظاهر الكون المتجلية في صفحاته , يبدو مستنكرا قبيحا , وقد استنكر الرسل هذا الشك . والسماوات والأرض شاهدان .
(قالت رسلهم:أفي الله شك فاطر السماوات والأرض ?) . .
أفي الله شك والسماوات والأرض تنطقان للفطرة بأن الله أبدعهما إبداعا وأنشأهما إنشاء ? قالت رسلهم هذا القول , لأن السماوات والأرض آيتان هائلتان بارزتان , فمجرد الإشارة إليهما يكفي , ويرد الشارد إلى الرشد سريعا , ولم يزيدوا على الإشارة شيئا لأنها وحدها تكفي ; ثم أخذوا يعددون نعم الله على البشر في دعوتهم إلى الإيمان , وفي إمهالهم إلى أجل يتدبرون فيه ويتقون العذاب:
(أفي الله شك فاطر السماوات والأرض . يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم) .
والدعوة أصلا دعوة إلى الإيمان , المؤدي إلى المغفرة . ولكن السياق يجعل الدعوة مباشرة للمغفرة , لتتجلى نعمة الله ومنته . وعندئذ يبدو عجيبا أن يدعى قوم إلى المغفرة فيكون هذا تلقيهم للدعوة !
(يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم) . . (ويؤخركم إلى أجل مسمى) . .
فهو - سبحانه - مع الدعوة للمغفرة لا يعجلكم بالإيمان فور الدعوة , ولا يأخذكم بالعذاب فور التكذيب . إنما يمن عليكم منة أخرى فيؤخركم إلى أجل مسمى . إما في هذه الدنيا وإما إلى يوم الحساب , ترجعون فيه إلى نفوسكم , وتتدبرون آيات الله وبيان رسلكم . وهي رحمة وسماحة تحسبان في باب النعم . . فهل هذا هو جواب دعوة الله الرحيم المنان ?!
هنا يرجع القوم في جهالتهم إلى ذلك الاعتراض الجهول:
(قالوا:إن أنتم إلا بشر مثلنا , تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا) . .
وبدلا من أن يعتز البشر باختيار الله لواحد منهم ليحمل رسالته , فإنهم لجهالتهم ينكرون هذا الاختيار , ويجعلونه مثار ريبة في الرسل المختارين ; ويعللون دعوة رسلهم لهم بأنها رغبة في تحويلهم عما كان يعبد آباؤهم . ولا يسألون أنفسهم:لماذا يرغب الرسل في تحويلهم ?! وبطبيعة الجمود العقلي الذي تطبعه الوثنيات في العقول لا يفكرون فيما كان يعبد آباؤهم:ما قيمته ? ما حقيقته ? ماذا يساوي في معرض النقد والتفكير ?! وبطبيعة الجمود العقلي كذلك لا يفكرون في الدعوة الجديدة , إنما يطلبون خارقة ترغمهم على التصديق:
(فأتونا بسلطان مبين) . .
ويرد الرسل . . لا ينكرون بشريتهم بل يقررونها , ولكنهم يوجهون الأنظار إلى منة الله في اختيار رسل من البشر , وفي منحهم ما يؤهلهم لحمل الأمانة الكبرى:
(قالت لهم رسلهم:إن نحن إلا بشر مثلكم . ولكن الله يمن على من يشاء من عباده) . .
ويذكر السياق لفظ (يمن) تنسيقا للحوار مع جو السورة . جو الحديث عن نعم الله . ومنها هذه المنة على من يشاء من عباده . وهي منة ضخمة لا على أشخاص الرسل وحدهم . ولكن كذلك على البشرية التي تشرف بانتخاب أفراد منها لهذه المهمة العظمى . مهمة الاتصال والتلقي من الملأ الأعلى . وهي منة على البشرية بتذكير الفطرة التي ران عليها الركام لتخرج من الظلمات إلى النور ; ولتتحرك فيها أجهزة الاستقبال والتلقي فتخرج من الموت الراكد إلى الحياة المتفتحة . . ثم هي المنة الكبرى على البشرية بإخراج الناس من الدينونة للعباد إلى الدينونة لله وحده بلا شريك ; واستنقاذ كرامتهم وطاقتهم من الذل والتبدد في الدينونة للعبيد . . الذل الذي يحني هامة إنسان لعبد مثله ! والتبدد الذي يسخر طاقة إنسان لتأليه عبد مثله !
(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 288)