قال القرطبي (1) :
قوله تعالى: { واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ } أمره عليه السلام أن يذكّرهم أقاصيص المتقدّمين ، ويخوّفهم العذاب الأليم على كفرهم . وحذفت الواو من «اتل» لأنه أمر؛ أي اقرأ عليهم خبر نوح . { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } «إذ» في موضع نصب . { ياقوم إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ } أي عظم وثقل عليكم . { مَّقَامِي } المقام ( بفتح الميم ) : الموضع الذي يقوم فيه . والمُقام ( بالضم ) الإقامة . ولم يُقرأ به فيما علمت؛ أي إن طال عليكم لُبْثي فيكم . { وَتَذْكِيرِي } إياكم ، وتخْويفي لكم . { بِآيَاتِ الله } وعزمتم على قتلي وطردي . { فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ } أي اعتمدت . وهذا هو جواب الشرط ، ولم يزل عليه السلام متوكلًا على الله في كل حال ، ولكن بيّن أنه متوكل في هذا على الخصوص ليعرف قومه أن الله يكفيه أمرهم؛ أي إن لم تنصروني فإني أتوكّل على من ينصرني .
قوله تعالى: { فأجمعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ } قراءة العامة «فَأَجْمِعُوا» بقطع الألف «شُرَكَاءَكُمْ» بالنصب . وقرأ عاصم الجَحْدرِيّ «فاجمعوا» بوصل الألف وفتح الميم؛ من جَمع يجمع . «شُرَكَاءَكُمْ» بالنصب . وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ويعقوب «فأجمِعوا» بقطع الألف «شركاؤكم» بالرفع . فأما القراءة الأُولى من أجمع على الشيء إذا عزم عليه . وقال الفراء: أجمع الشيء أعدّه . وقال المؤرّج: أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه . وأنشد:
يا ليت شعري والمُنَى لا تنفع ... هل أَغْدُوَنْ يومًا وأمري مُجْمَعُ
قال النحاس: وفي نصب الشركاء على هذه القراءة ثلاثة أوجه؛ قال الكسائي والفراء: هو بمعنى وادعوا شركاءكم لنصرتكم؛ وهو منصوب عندهما على إضمار هذا الفعل . وقال محمد بن يزيد: هو معطوف على المعنى؛ كما قال:
يا ليت زوجَك في الوَغَى ... متقلّدا سَيْفًا ورُمْحًا
والرمح لا يُتقلّد ، إلا أنه محمول كالسيف . وقال أبو إسحاق الزجاج: المعنى مع شركائكم على تناصركم؛ كما يقال: التقى الماء والخشبةَ . والقراءة الثانية من الجمع ، اعتبارًا بقوله تعالى: { فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى } [ طاه: 60 ] . قال أبو معاذ: ويجوز أن يكون جَمَعَ وأجْمع بمعنًى واحد ، «وشركاءكم» على هذه القراءة عطف على «أمركم» ، أو على معنى فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم ، وإن شئت بمعنى مع . قال أبو جعفر النحاس: وسمعت أبا إسحاق يجيز قام زيد وعمرًا . والقراءة الثالثة على أن يعطف الشركاء على المضمر المرفوع في أجمعوا ، وحسن ذلك لأن الكلام قد طال . قال النحاس وغيره: وهذه القراءة تبعد؛ لأنه لو كان مرفوعًا لوجب أن تكتب بالواو ، ولم يُرَ في المصاحف واو في قوله «وشركاءكم» ، وأيضًا فإن شركاءهم الأصنام ، والأصنام لا تصنع شيئًا ولا فعل لها حتى تُجْمِع . قال المهدويّ: ويجوز أن يرتفع الشركاء بالابتداء والخبر محذوف ، أي وشركاءكم ليجمعوا أمرهم ، ونسب ذلك إلى الشركاء وهي لا تسمع ولا تبصر ولا تميز على جهة التوبيخ لمن عبدها .قوله تعالى: { ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } اسم يكن وخبرها . وغُمّة وغَمّ سواء ، ومعناه التغطية؛ من قولهم: غُمّ الهلال إذا استتر؛ أي ليكن أمركم ظاهرًا منكشفًا تتمكنون فيه ممّا شئتم؛ لا كمن يخفَى أمرُه فلا يقدر على ما يريد . قال طرفَة:
لعمرك ما أمري عليّ بغُمّة ... نهاري ولا ليلي عليَّ بسَرْمَد
الزجاج: غمّة ذا غم ، والغم والغُمّة كالكَرْب والكُرْبة . وقيل: إن الغمة ضيق الأمر الذي يوجب الغم فلا يتبيّن صاحبه لأمره مصدرًا لينفرج عنه ما يغُمّه . وفي الصحاح: والغمة الكربة . قال العجاج:
بل لو شهدت الناس إذ تُكُمُّوا ... بغُمّة لو لم تُفَرَّج غُمُّوا
يقال: أمْرٌ غُمّة ، أي مُبْهَم ملتبس؛ قال تعالى:
{ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } . قال أبو عبيدة: مجازها ظلمة وضيق . والغمة أيضًا: قعر النِّحْي وغيره . قال غيره: وأصل هذا كله مشتق من الغمامة .
قوله تعالى: { ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ } ألف «اقضوا» ألف وصل ، من قضى يقضي . قال الأخفش والكسائي: وهو مثل . { وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر } [ الحجر: 66 ] ، أي أنهيناه إليه وأبلغناه إياه . ورُوي عن ابن عباس «ثُمَّ اقضوا إلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ» قال: امضوا إليّ ولا تؤخرون . قال النحاس: هذا قول صحيح في اللغة؛ ومنه: قَضَى الميت أي مضى . وأعلمهم بهذا أنهم لا يصلون إليه ، وهذا من دلائل النبوّات . وحكى الفراء عن بعض القراء «ثم أفضوا إليّ» بالفاء وقطع الألف ، أي توجهوا؛ يقال: أفضت الخلافة إلى فلان ، وأفضى إليّ الوجع . وهذا إخبار من الله تعالى عن نبيه نوح عليه السلام أنه كان بنصر الله واثقًا ، ومن كيدهم غير خائف؛ علمًا منه بأنهم وآلهتهم لا ينفعون ولا يضرون . وهو تعزيةٌ لنبيه صلى الله عليه وسلم وتقويةٌ لقلبه .
(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 2649)